المفاتيح الدعوية في سورة الكهف

عبد الحي حسين الفرماوي

عدد الزيارات: 22,672
QR Code
46 16
أولاً: اسم السورة: 
لهذه السورة عدة أسماء فهي تسمى: 
1- سورة الكهف [1] وذلك: لاشتمالها على هذه المعجزة الربانية العجيبة، وهي قصة أصحاب الكهف بتفاصيلها [2].
 
2- سورة أصحاب الكهف: وذلك لاشتمالها على قصتهم الجامعة فوائد الإيمان بالله تعالى من الأمن الكلي عن الأعداء، والإغناء الكلي عن الأشياء، والكرامات العجيبة [2].
 
ثانياً: عدد آيات السورة وكلماتها وحروفها:
آياتها (110) مائة وعشر آيات.كلماتها: (1579) ألف وخمسمائة وتسع وسبعون كلمة.حروفها: (6306) ستة آلاف وثلاثمائة وستة حروف [3].
 
ثالثاً: ترتيب السورة في المصحف وفي النزول:
1- في المصحف: بعد سورة (الإسراء)، وقبل سورة (مريم).
 
2- في النزول: بعد سورة (الغاشية)، وقبل سورة (النحل).
 
رابعاً: سبب نزول السورة:
روى أبو جعفر الطبري عن ابن عباس أنه قال: بعثت قريش النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود المدينة، فقالوا لهم: "سلوهم عن محمد، وصفوا لهم صفته، وأخبروهم بقوله، فإنهم أهل الكتاب الأول، وعندهم علم ما ليس عندنا من علم الأنبياء". فخرجا حتى قدما المدينة.فسألوا أحبار اليهود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووصفوا لهم أمره، وبعض قوله وقالا: "إنكم أهل التوراة، وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا". قال: فقالت لهم أحبار يهود: "سلوه عن ثلاث نأمركم بهن، فإن أخبركم بهن، فهو بني مرسل، وإن لم يفعل، فالرجل متقول، فروا فيه رأيكم. سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول، ما كان أمرهم، فإنهم قد كان لهم حديث عجيب. وسلوه عن رجل طواف، بلغ مشارق الأرض ومغاربها. ما كان نبؤه؟ وسلوه عن الروح، ما هو؟ فإن أخبركم بذلك، فإنه نبي فاتبعوه. وإن هو لم يخبركم: فهو رجل متقول، فاصنعوا في أمره ما بدا لكم". فأقبل النضر وعقبة حتى قدما مكة على قريش. فقالا: "يا معشر قريش!! قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد، قد أمرنا أحبار يهود أن نسأله عن أمور"، فأخبروهم بها، فجاؤوا رسول الله، صلى الله عليه وسلم فقالوا: "يا محمد أخبرنا"، وسألوه عما أمروهم به. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أخبركم غداً بما سألتم عنه» ولم يستثن، فانصرفوا عنه. فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس عشرة ليلة، لا يحدث الله إليه في ذلك وحياً، ولا يأتيه جبرائيل عليه السلام، حتى أرجف أهل مكة.وقالوا: "وعدنا محمد غداً، واليوم خمس عشرة، قد أصبحنا فيها لا يخبرنا بشيء مما سألناه عنه". وحتى أحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث الوحي عنه، وشق عليه ما يتكلم به أهل مكةـ، ثم جاء جبرائيل عليه السلام من الله عز وجل، بسورة "أصحاب الكهف"، فيها: معاتبته إياه على حزنه عليهم، وخبر ما سألوه عنه من: أمر الفتية، والرجل الطواف، وقول الله عز وجل: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [سورة الإسراء، الآية: 85]. قال ابن اسحق: فبلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم افتتح السورة فقال: {الْحَمْدُ لِلَّـهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا} [سورة الكهف، الآية: 1].
 
خامساً: مكية السورة ومدنيتها: 
السورة مكية كلها في المشهور. واختار ذلك: جمع من العلماء [4].
 
سادساً: فضل السورة: 
ورد فـي فضل هذه السورة ما يضيق المكان هنا عن حصره وإحصائه [5]. ومع ذلك نشير إلى بعض ذلك:
فقد أخرج البخاري في صحيحه عن البراء أنه قال: "كان رجل يقرأ سورة الكهف، وإلى جانبه حصان مربوط فتغشته سحابة، فجعلت تدور وتدنو، وجعل فرسه ينضر، فلما أصبح: أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقال: «تلك السكينة تنزلت بالقرآن» [6]". وفي رواية الترمذي: «نزلت مع القرآن».
 
كما روى مسلم في صحيحه عن أبى الدرداء: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف، عصم من الدجال».
 
كما روى الترمذي في سنته عن أبى الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «من قرأن ثلاث آيات من أول الكهف عصم من فتنة الدجال». وقال: هذا حديث حسن صحيح [7].
 
وفي سنن الدرامي: عن أبي سعيد الخدري، قال: "من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة: أضاء له من النور فيما بينه وبين البيت العتيق".
 
وروى الإمام القرطبي في تفسيره عن سمرة بن جندب أنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من قرأ عشر آيات من سورة الكهف حفظًا لم تضره فتنة الدجال» «ومن قرأ السورة كلها: دخل الجنة».
 
وروى الإمام ابن كثير في تفسيره: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ سورة الكهف كما نزلت: كانت له نوراً يوم القيامة».
 
ونقل الإمام السيوطي في كتابه الإتقان عن ابن الضريس في فضائله: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أخبركم بسورة ملأ عظمتها ما بين السماء والأرض، شيعها سبعون ألف ملك؟ سورة الكهف» [8].
 
ويرد هنا سؤال هام: ما السر في أن هذه السورة أو بعضاً منها: يعصم من الدجال وفتنته؟ يقول الإمام أبو الحسن الندوي في كتابه (تأملات في سورة الكهف): "ذلك لأن هذه السورة هي السورة الفريدة، التي تحتوي على أكبر مادة وأغزرها فيما يتصل بفتن العهد الأخير، التي يتزعمها الدجال، ويتولى كبرها، ويحمل رايتها. والتي تحتوى -كذلك- على أكبر مقدار من الترياق الذي يدفع سموم الدجال، ويبرئ منها. كما أن: من يتشرب معاني هذه السورة، ويمتلئ بها -وهو نتيجة لحفظ والإكثار من القراءة في عامة الأحوال- يعتصم من هذه الفتنة المقيمة المقعدة للعالم، ويفلت من الوقوع في شباكها، وفي هذه السورة كذلك: من التوجيهات والإرشادات، والأمثال، والحكايات، ما يبين الدجال ويشخصه في كل زمان ومكان، وما يوضح الأساس الذي تقوم عليه فتنته ودعوته، ومن ثم: فهي تهيئ العقول والنفوس لمحاربة هذه الفتنة ومقاومتها، والتمرد عليها. كما أن فيها كذلك: روحاً تعارض التدجيل وزعمائه، ومنهج تفكيرهم، وخطة حياتهم في وضوح وقوة. وعن البراء بن عازب قال: كان رجل يقرأ سورة الكهف، وإلى جانبه حصان مربوط فتغشته سحابة، فجعلت تدنو وتدنو، وجعل فرسه ينقر، فلما أصبح أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقال: «تلك السكينة تنزلت بالقرآن». 
 
سابعاً: صلة السورة بما قبلها:
1- صلة هذه السورة بسورة الإسراء قبلها شديدة الوضوح، واضحة الشدة، بما يظهر في النقاط التالية [9]:
1) إذا كانت سورة الإسراء قد افتتحت بالتسبيح: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا} [سورة الإسراء، الآية: 1] فإن سورة الكهف: قد افتتحت بالتحميد: {الْحَمْدُ لِلَّـهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ} [سورة الكهف، الآية: 1] وفي ذلك غاية المناسبة بين فاتحتيهما. إذ التسبيح والتحميد: مقترنان في سائر الكلام نحو: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} [سورة الطور، الآية: 48].
 
2) إذا كانت الإسراء قد اختتمت بالحمد في قوله تعالى: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّـهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا} [سورة الإسراء، الآية: 111]!! فإن سورة الكهف قد افتتحت بالحمد كذلك في قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّـهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ} [سورة الكهف، الآية: 1] وفي ذلك غاية المناسبة بين خاتمة الأولى وفاتحة الثانية.
 
3) من المعلوم أن اليهود أمروا المشركين أن يسألوا النبي صلى الله عليه وسلم، عن أشياء ثلاثة: الروح، قصة أصحاب الكهف، وقصة ذي القرنين. وقد أجاب تعالى عن السؤال الأول: في سورة الإسراء. فناسب أن تكون الإجابة عن باقي الأسئلة في السورة التالية. وفي ذلك ما يؤكد قوة المناسبة بينهما. وينبغي أن يلاحظ:
أ- أنه لم تجمع أجوبة الأسئلة الثلاثة في سورة واحدة لأنه لم يقع الجواب عن الأول بالبيان، مثل الباقين، فناسب أن يذكر وحده في سورة.
ب- كانت الإجابة عن سؤال الروح في سورة الإسراء: لما بين الروح والإسراء من المشاركة بأن كلاً منهما مما لا يكاد تصل إلى حقيقته العقول. وقيل: كان ذلك لما أن الإسراء متضمن العروج إلى المحل الأرفع، والروح متصفة بالهبوط من ذلك المحل.
 
4) إذا كان تعالى قد قال في سورة الإسراء: {وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [سورة الإسراء، الآية: 85] والخطاب فيها -كما هو معلوم- لليهود!! فقد أقام الدليل على ذلك في سورة الكهف وذلك بقصة موسى نبي بني إسرائيل مع الخضر عليهما السلام، التي كان سببها ذكر العلم والأعلم: {فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا * قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا} [سورة الكهف، الآيات: 65-66]. وما دلت عليه هذه القصة: من كثرة المعلومات الله التي لا تحصى.
 
5) إذا كان تعالى قد قال في آخر الإسراء: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا} [سورة الإسراء، الآية: 104]. فقد شرح ذلك في الكهف بقوله تعالى: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ ۖ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا * وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ ۖ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا * وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضًا * الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَن ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا} [سورة الكهف، الآيات: 98-101]. 
 
2- صلتها ببعض سور القرآن الكريم الأقوى، وإذا كنا قد تحدثنا عن هذه النقطة من قبل عند حديثنا عن مفاتيح سورة الأنعام!! فلا نجد مانعاً من إعادة ما سبق أن ذكرناه هناك من باب التذكير والتأكيد:
1) قال صاحب تفسير المنار: "لما كانت نعمة سبحانه مما تفوت الحصر، ولا يحيط بها نطاق العد!! إلا أنها ترجع إجمالاً إلى: إيجاد وإبقاء في النشأة الأولى، وكذلك: إيجاد وإبقاء في النشأة الآخرة. وقد أشير في: فاتحة الكتاب إلى الجميع!! وفي الأنعام إلى الإيجاد الأول!! وفي الكهف إلى الإبقاء الأول، وفي سبأ إلى الإيجاد الثاني!!وفي فاطر إلى الإبقاء الثاني!!" لما كان الأمر كذلك!! ابتدأت هذه السور بـ(الحمد لله) وهي كلها: سور مكية.. كل منها مشتمل على: دعوة الإسلام، ومحاجة المشركين.
 
2) وكذلك: فإن هذه السور الخمس التي بدئت بـ(الحمد لله) دون باقي سور القرآن الكريم، قد أشارت في فواتحها إلى أصول عقيدة هذا الدين. وفي فاتحة الكتاب: إشارة إلى الإيمان بالقضاء والقدر، بمقتضى مفهوم الربوبية، وما تستلزمه من التسليم والإذعان المطلق لرب العالمين. 
وفي فاتحة الأنعام: إشارة إلى الإيمان بالله تعالى الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور، مع النعمة على الذين كفروا به وعدلوا عنه.
وفي فاتحة الكتاب: إشارة إلى الإيمان بالكتاب المنزل، وبالرسول الذي أنزل عليه هذا الكتاب. 
وفي فاتحة سبأ: إشارة إلى الإيمان باليوم الآخر الذي له تعالى فيه الحمد أيضاً. 
وفي فاتحة فاطر: إشارة إلى الإيمان بالملائكة الذين جعلهم الله رسلاً أولى أجنحة مثنى وثلاث ورباع. 
وفي هذا ما فيه من الإشارة إلى أن هذا الذين بتمامه، وهذه العقيدة بأصولها، وهذا بالإيمان بأركانه: لنعمة كبرى، ومنه عظمى تستحق منا أن نحمد الله تعالى دائماً عليها. 
 
ثامناً: هدف السورة: 
تهدف السورة بشكل واضح ومركز وقوى إلى أربعة أهداف، على النحو التالي:
1- تصحيح العقيدة وهى تقرر ذلك: في بدايتها، وخاتمتها، ومواضع عديدة في سياقها. ففي البدء {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا ۜ * قَيِّمًا لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا * مَّاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا * وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا * مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ ۚ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ۚ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا} [سورة الكهف، الآيات: 1-5].
 
وفي الختام {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [سورة الكهف، الآية: 111].
 
وهكذا يتوائم البدء والختام في: إعلان الوحدانية، وإنكار الشرك، وإثبات الوحي ... إلخ. وفي السياق -على سبيل المثال- يقول الرجل المؤمن في قصة الجنتين لصاحبه وهو يحاوره {أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا * لَّٰكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا} [سورة الكهف، الآيات: 37-38].
 
2- تصحيح منهج الفكر والنظر ويتجلى ذلك بوضوح في:
1) استنكار دعاوى المشركين الذين يقولون ما ليس لهم به علم، والذين لا يأتون على ما يقولون برهان. ففي مطلع السورة {وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا * مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ ۚ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ۚ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا} [سورة الكهف، الآيات: 4-5]. والفتية أصحاب الكهف يقولون {هَٰؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً ۖ لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ} [سورة الكهف، الآية: 15].
 
2) توجيه الإنسان إلى أن يحكم بما يعلم ولا يتعداه، وما لا علم له به: فليدع أمره إلى الله. فالفتية أصحاب الكهف حينما يتساءلون عن فترة لبثهم في الكهف، يكلون علمها لله {قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ} [سورة الكهف، الآية: 19]  وفي قصة موسى مع العبد الصالح، عندما يكشف له عن سر تصرفاته التى أنكرها عليه موسى، يقول {رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ۚ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي} [سورة الكهف، الآية: 82]، فيكل الأمر فيها لله.
 
3- تصحيح القيم والمفاهيم بميزان العقيدة. حيث ترد السورة القيم الحقيقة إلى: الإيمان والعمل الصالح. وفي الوقت نفسه: تصغر ما عداها من القيم الأرضية الدنيوية، التي تبهر الأنظار. ويظهر ذلك بوضوح في مواضع عديدة من السورة، وتختار النماذج التالية فقط للاختصار.
أ- مفهوم الزينة: تبين السورة: أن كل ما على الأرض من زينة إنما جعل للابتلاء والاختيار، ونهايته إلى فناء وزوال {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا * وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا} [سورة الكهف، الآيات: 7-8]. ولذلك: طالب الرسول أن يصبر مع أهل الإيمان، غير مبال بزينة الحياة الدنيا وأهلها الغافلين عن الله {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا * وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [سورة الكهف، الآيات: 28-29]. وتصور: كيف يعتز المؤمن بإيمانه في وجه المال والجاه والزينة؟ وكيف يجبه صاحبها -المنتفش المنتفخ- بالحق، ويؤنبه على نسيان الله. وذلك في قصة الجنتين {قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا * لَّٰكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا * وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ۚ إِن تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالًا وَوَلَدًا * فَعَسَىٰ رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا * أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا} [سورة الكهف، الآيات: 37-41].
 
وتضرب السورة: المثل للحياة الدنيا -محل الزينة- وسرعة زوالها بعد ازدهارها {وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا} [سورة الكهف، الآية: 45]. ثم تعقب ببيان: للقيم الزائلة والقيم الباقية، بعد كل هذا التصحيح، قائلة: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا} [سورة الكهف، الآية: 46].
 ب- مفهوم السعة والضيق: تبين السورة: أن حمى الله أوسع وأرحب ولو آوى الإنسان إلى كهف خشن ضيق. فالفتية المؤمنون، أصحاب الكهف، يقولون لقومهم، بعد اعتزالهم {وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا} [سورة الكهف، الآية: 16]. 
جـ- مفهوم المكسب والخسارة: تقرر السورة أن آخر الخلق أعمالاً، هم الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه. وتبين أن هؤلاء لا وزن لهم ولا قيمة لأعمالهم وإن حسبوا أنهم يحسنون بها صنعاً. {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا} [سورة الكهف، الآيات: 103-105].
 
4- بيان تأييد الله تعالى للمؤمنين بما تذكره من قصص:
والقصص التى تعرضها هذه السورة لتحقيق هذا الهدف ثلاث:  قصة أهل الكهف (من آية 9 إلى 26)، قصة موسى مع الخضر (من آية 60 إلى 82) قصة ذى القرنين (من 83 إلى 97)  ويجب أن يلاحظ إبتداءً: أن هذه السورة تختلف عن غيرها من السور المكية في عرضها لقصص القرآن للاستشهاد به. فبينما السور الأخرى تسوق من التاريخ الأدلة على عقاب الله للمعارضين. وهى أدلة تحكى الكوارث الطبيعية التى تنزل بهم  -بسبب كفرهم وتحديهم للرسول الذى أرسل إليهم- من زلازل، أو صواعق، أو فيضانات، أو جفاف، وجدب.
 
إذاً بسورة الكهف: تسوق من التاريخ الأدلة على تأييده للمؤمنين: بالرسالة الإلهية، ووقايتهم من الأذى، وفضلهم عليه في العلم، أو في القوة في سبيل الإصلاح ودفع الظلم والفساد. ولذا نجد قصة أهل الكهف: تصور هذا التأييد من الله تعالى لمجموعة من الشبان المؤمنين، بحمايتهم من بطش الحاكم الظالم، بعد أن وقفوا في مواجهة حكمه معلنين ومؤكدين وحدة الألوهية، رغم أن الوثنية تشد هذا الحاكم إليها، كما يؤمن بها الكثير من قومه. 
 
كما نجد أن قصة موسى مع الخضر: تبرز فضل الله على المؤمنين. وهو فضل يختلف من مؤمن إلى مؤمن، والناس فيه من أجل ذلك متفاوتون. فموسى عليه السلام وإن كان صاحب رسالة لكن في مشاكل الحياة: كانت في حاجة إلى ما حبا به الله الخضر من علم وقدرة على حل هذه المشاكل. وقد أوردت السور جملة من هذه المشاكل. ظاهر التصرف منه يثير في العادة اعتراضاً عليه، ولكن حقيقته تبنئ عن حكمة، لأنها تنطوى على مصلحة ضرورية بمؤمنين هم في حاجة إليها. 
 
كما نجد -ثالثاً- أن قصة ذي القرنين: تعلن تأييد الله تعالى لملك مؤمن، ونصره على الظلم والفساد، وتمكينه من وقاية الضعفاء في ملكه.
 
تاسعاً: تقسيم آيات السورة موضوعياً:
وهذه السورة تتكون من: مقدمة، وستة أقسام.
فالمقدمة: عبارة عن (8) آيات من الآية الأولى حتى نهاية الآية (8)، وفيها: البدء بالحمد، ووصف القرآن، وعليه إنزاله، والحنو الإلهي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحكمة في تزيين الحياة الدنيا، ومآلها.
 
والقسم الأول: عبارة عن (23) آية، من الآية (9) من نهاية الآية (31)، وفيه: قصة أصحاب الكهف وما فيها من إعجاز وتدليل على قدرة به تعالى، مع بيان الكثير من دروسها التربوية والدعوية.
 
القسم الثاني: عبارة عن (18) آية من (32) حتى نهاية الآية (49)، وفيه: مثل رجلين أحدهما: أغوته زينة الحياة الدنيا، فرسب وعوقب، والثاني: زهد في الحياة الدنيا ونصر. وفيه كذلك: مثل للحياة الدنيا يأمر الله تعالى رسوله أن يذكر المفتونين بها، الكافرين بالآخرة بمشهد من مشاهد يوم القيامة، لعل ذلك ينفعهم.
 
القسم الثالث: عبارة عن (10) آيات، من الآية (50) إلى نهاية الآية (59)، وفيه: تقرير مجموعة الأوامر التي تعالج الأمراض التي تحدثت عنها السورة، والتي تنبع كلها من موضوع تزيين الحياة الدنيا، والشيطان هو الذي يزين الحياة الدنيا؛ فلا ينبغي أن يتخذ ولياً، وتزيين الحياة الدنيا: يرافقه إعراض عن الآيات، ونسيان للذنوب، فلا ينبغي أن يكون إعراض عن الآيات، أو نسيان للذنوب. ويتم هذا التقرير: عن طريق خطاب هؤلاء الذين زينت لهم الحياة الدنيا، فينذرون كرة، وتقام عليهم الحجة كرة أخرى.كما يتم فيه: التعليل للهداية والضلال، ولتأخير العذاب كذلك.
 
القسم الرابع: عبارة عن (23) آية من الآية (60) حتى نهاية الآية (82)، وفيه: قصة موسى والخضر عليهما السلام، وما فيها من الرزق المعنوي الذي يسوقه الله تعالى -إذا شاء- بغير حساب، وفيها كذلك: من التأديب والتوجيه والعبرة، والدروس التربوية، وتفصيل القضايا الحياتية، ما لا يحيط به إلا الله سبحانه وتعالى.
 
القسم الخامس: عبارة عن (16) آية، من الآية (83) حتى نهاية الآية (98). وفيه: قصة ذي القرنين، وما فيها من الرزق المادي والمعنوي، الذي يسوقه الله تعالى إذا شاء بغير حساب. وما فيها كذلك: من التأديب والتوجيه والعبرة، والدروس التربوية، ما لا يحيط به إلا الله سبحانه وتعالى.
 
القسم السادس: عبارة عن (12) آية، من الآية (99) حتى نهاية الآية (110). وفيها: يقرر الله تعالى أن الكافرين يهزؤن من الرسل وآيات الله، ويبين جزاءهم على ذلك، كما يبين ما أعد المؤمنين من فضل، بما يفهمنا به أن المؤمنين فوق الكافرين يوم القيامة. 
 
عاشراً: أبرز موضوعات السورة: 
السورة غنية بالموضوعات التي تتآزر وتتعانق لتحقيق أهدافها التي ذكرناها آنفاً. وسوف نمر -بإذن الله تعالى- سريعاً على بعض هذه الموضوعات فيما يلي [10]:
1- ترسيخ أصول العقيدة، وأركان الإيمان، ومعالجة الشرك. ويلاحظ بوضوح: أنها لا تتجه إلى المشركين -كما هي عادة كثير من السور المكية في هذه المعالجات- بل تتجه إلى أهل الكتاب. ولذلك: نجد أن السورة لم تبدأ بحرف أو جملة من حروف التهجي، كما هو الطابع الشائع في السور المكية، بل بدأت بجملة {الْحَمْدُ لِلَّـهِ} ربما لإظهار هذه التفرقة. 
 
فحول الإيمان بالله تعالى نجد: {فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَـٰهًا ۖ لَّقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا} [سورة الكهف، الآية 14].
 
وحول الإيمان بالرسل ووظيفتهم نجد: {وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ} [سورة الكهف، الآية: 56].
 
وحول الإيمان بالكتاب نجد: {أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا ۜ * قَيِّمًا} [سورة الكهف، الآيات: 1-2].
 
وحول الإيمان بالملائكة نجد: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} [سورة الكهف، الآية: 50].
 
وحول الإيمان بالبعث واليوم الآخر نجد قصة أهل الكهف خير دليل كما نجد مثلاً: {وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا * وَعُرِضُوا عَلَىٰ رَبِّكَ صَفًّا لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ۚ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُم مَّوْعِدًا * وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَـٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ۚ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [سورة الكهف، الآيات: 47-49].
 
وحول الإيمان بالقضاء والقدر، نجد: {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا * إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّـهُ} [سورة الكهف، الآيات: 23-24].
 
وحول معالجة الشرك نجد على سبيل المثال: {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [سورة الكهف، الآية: 110].
 
2- القصص القرآني: وهو من الموضوعات التي تهتم بها هذه السورة في محاولة جادة قوية لتأييد المؤمنين وتثبيتهم على ما هم فيه. ويستغرق هذا القصص معظم آيات السورة، فهو وارد في إحدى وسبعين آية من عشر ومائة آية هي آيات السورة إلى جانب آيات التعليق أو التعقيب على هذا القصص. وهذه القصص هي:
1) قصة أهل الكهف (من 9 – 26).
2) قصة موسى مع الخضر (من 60 – 82).
3) قصة ذي القرنين (من 83 – 97).
 
3- الأمثال: وقد استخدمت السورة ضرب الأمثال لتبين فيها: أن الحق لا يرتبط بكثرة المال والجاه والسلطان، ولا يعلو الإنسان، وإنما هو مرتبط بالعقيدة التي دعا إليها القرآن [11]. وعرضت أمثلة ثلاثة واقعية:
المثل الأول: مثل الغنى المكاثر بماله، والفقير المغتر بعقيدته وإيمانه (من 32 – 44). قال تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا} [سورة الكهف، الآية: 32].
 
المثال الثاني: مثل الحياة الدنيا وما يلحقها من فناء وزوال بعد تلك الزينة التي خدعت الكثيرين من الناس، قال تعالى: {مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ ۗ وَكَانَ اللَّـهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا} [سورة الكهف، الآية: 45].
 
المثل الثالث: مثل التكبر والغرور مصوراً في حادثة إبليس اللعين وما أصابه من الطرد والحرمان جزاء تكبره واستعلائه على أوامر الله. قال تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ۗ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ ۚ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا} [سورة الكهف، الآية: 50].
 
4- عرض بعض مشاهد القيامة ونكتفي بهذين المشهدين:
الأول:في قوله تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا * وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضًا * الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَن ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا} [سورة الكهف، الآيات: 99-100].
 
الثاني: في قوله تعالى: {وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا * وَعُرِضُوا عَلَىٰ رَبِّكَ صَفًّا لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ۚ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُم مَّوْعِدًا * وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَـٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ۚ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [سورة الكهف، الآيات: 47-49]. 
 
إجمال ما تضمنته السورة من الأغراض والمقاصد
(1) وصف الكتاب الكريم بأنه قيم لا عوج فيه، جاء للتبشير والإنذار.
(2) ما جاء على ظهر الأرض هو زينة لها، وقد خلقه الله ابتلاء للإنسان ليرى كيف ينتفع به.
(3) ما جاء من قصص أهل الكهف ليس بالعظيم إذا قيس بما في ملكوت السموات والأرض.
(4) وصف الكهف وأهله، مدة لبثهم فيه، عدد أهله.
(5) أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالجلوس مع فقراء المؤمنين وعدم الفرار منهم إلى أغنيائهم إجابة لدعوتهم.
(6) ذكر ما يلاقيه الكفار من الوبال والنكال يوم القيامة.
(7) ضرب مثل يبين حال فقراء المؤمنين وأغنياء المشركين.
(8) ضرب المثل للحياة الدنيا.
(9) عرض كتاب المرء عليه في الآخرة وخوف المجرمين منه.
(10) عداوة إبليس لآدم وبنيه.
(11) قصص موسى والخضر.
(12) قصص ذي القرنين وسد يأجوج ومأجوج، وكيف صنعه ذو القرنين.
(13) وصف أعمال المشركين وأنها ضلال وخيبة في الآخرة.
(14) ما يلقاه المؤمنين من النعيم في الآخرة.
(15) علوم الله تعالى لا نهاية لها. 
 
حادي عشر: بعض الدروس المستفادة:
 فوائد السورة عديدة، وعبرها كثيرة، ومنافعها عظيمة. وسوف نكتفي بذكر هذه الفوائد [2]:
1- في قوله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [سورة الكهف، الآية: 7]. ذكر ابن كثير الحديث الشريف: «إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فناظر ماذا تعملون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء».
 
2- في قوله تعالى: {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا * إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّـهُ} [سورة الكهف: 23-24]. تفيد هذه الآية الكريمة [11]: أن كل حركة وكل سكون، بل كل نفس من أنفاس الحي، مرهبون بإرادة الله، وعقل الإنسان قادر كليل، فلا ينبغي أن يقول الإنسان: إني فاعل ذلك غداً، وغداً في غيب الله، وأستار غيب الله لا يكشفها أحد. وليس معنى هذا: أن يقعد الإنسان، لا يفكر في أمر المستقبل ولا يدبر له ...إلخ. ولكن معناه: أن يحسب حساب الغيب، وحساب المشيئة التي تدبره، وأن يعزم وهو يستشعر أن يد الله فوق يده، فلا يستبعد أن يكون لله تدبير غير تدبيره، فإن وفقه الله إلى ما اعتزم فيها، وإن جرت مشيئة الله بغير ما دبر لم يحزن ولم ييأس، لأن الأمر لله أولاً وأخيراً. وهذا تسليم لله: يمده بالثقة والقوة والاطمئنان والعزيمة. فإذا انكشف ستر الغيب عن تدبير لله غير تدبيره: فليتقبل قضاء الله بالرضى والطمأنينة والاستسلام، لأنه الأجل الذي كان مجهولاً له فانكشف عنه الستار. 
 
وهذا هو النهج الذي يأخذ به الإسلام قلب المسلم. فلا يشعر بالوحدة والرقة وهو يفكر ويدبر. ولا يحس بالغرور والتبطر وهو يفلح وينجح. لا يستشعر القنوط واليأس وهو يفشل ويخفق. بل يبقى في كل أحواله متصلاً بالله، قوياً بالاعتماد عليه، شاكراً لتوفيقه إياه، مسلماً بقضائه وقدره، من غير يأس ولا قنوط.
 
3- في قوله تعالى: {وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّـهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّـهِ} [سورة الكهف، الآية: 39]. يذكر الإمام ابن كثير أن بعض السلف فهموا من هذه الآية، إن تحصين النعم يكون بهذه الكلمة [12]، قال: "ولهذا قال بعض السلف: من أعجبه شيء من حاله أو ماله أو وحده: فليقل: {مَا شَاءَ اللَّـهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّـهِ} [سورة الكهف، الآية: 39]. وهذا مأخوذ من هذه الآية الكريمة.
 
4- في قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَـٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا} [سورة الكهف، الآية: 49].
روى الطبراني عن سعد بن جنادة قال: لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة حنين! نزلنا قفراً من الأرض ليس فيه شيء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اجمعوا، من وجد عوداً: فليأت به، ومن وجد حطباً أو شيئاً: فليأت به». قال: فما كان إلا ساعة حتى جعلناه ركاماً. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أترون هذا؟ فكذلك تجمع الذنوب على الرجل منكم، كما جمعتم هذا، فليتق الله رجل، لا يذنب صغيرة ولا كبيرة، فإنها محصاة عليه».
 
5- يقول المرحوم الأستاذ سعيد حوى: "بدأت سورة الكهف: بتعليمنا "الحمد" على نعمة هذا القرآن!! فمن لم يصل إلى الشعور بنعمة الله عليه بهذا القرآن: فهو لم يأخذ درسها الأول. ثم بينت لنا: بعض خصائص القرآن، وخاصة موضوع براءته من العوج واستقامته!! فمن لم يستشعر هذا المعنى في القرآن كله: فاته الدرس الثاني. ثم بينت: أن أسلوب هذا القرآن في العرض، هو التبشير والإنذار!! فمن لم يذهب هذا المعنى، ويتفاعل معه، ويعرف حكمة الله فيه: فاته الدرس الثالث. ثم بينت: الحكمة في تزيين الحياة الدنيا، وهى الاختبار!! فمن لم ينجح في الاختبار، بأن يحسن العمل بالدخول في الإسلام، واجتناب خطوات الشيطان: فاته درسها الرابع. ومن لم يعرف قصة أهل الكهف، ومحلها بالنسبة لمجموع آيات الله: فاته درسها الخامس. ومن لم يشكر الله على ما أعطاه من نعم الدنيا، ويتعامل مع أهل الدنيا بمنطق المذكر الواعظ: فاته درسها السابع. ومن لم يزهد في الدنيا، ويعرف حقيقتها: فاته درسها الثامن. ومن لم يجتنب خطوات الشيطان: فاته درسها التاسع. ومن لم يتأدب مع الله بالأب مع أنبيائه وأوليائه، بأن يعرف كرم الله في العطاء، فلا يحتقر من أنعم الله عليه بنعمة علم لدنى، بل يحترمه ويستفيد منه!! فمن لم يفعل ذلك: فاته درسها العاشر. ومن لم يعرف: أن الله يعطي الدنيا لمن شاء، فيسخر له ما شاء: فاته درسها الحادي عشر. ومن لم يعرف: أنه لا ولاية بين الكافرين والمؤمنين، وأن المنحرفين عن أمر الله: هم الأخسرون، وأن علم الله: لا يتناهى، وأن الرجاء: يحتاج إلى العمل الصالح والإخلاص!!فاتته دروس السورة الأخيرة". ثم قال رحمه الله: "إن السورة: تربي مشاعر أهل الإيمان في أهم قضية تواجههم ليلاً ونهاراً. وهي قضية ما على هذه الأرض من زينة الحياة الدنيا، وكيفية التعامل مع الخلق في هذا الموضوع، وكل ما له علاقة فيه". 
 
ثاني عشر: مصادر المفاتيح وهوامش البحث:
المقالة السابقة
الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم
المقالة التالية
تنوع الخطاب القرآني
التعليقات
هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

أضف تعليقك

المسجلين في الموقع فقط يمكنهم إضافة تعليقات. سجل الآن.