نظرات في سورة الإخلاص

عدد الزيارات: 3,289
QR Code
6 0
(مكية وآياتها 4 آيات)، قال تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [سورة الإخلاص، الآيات: 1-4].
 
أ- مقدمة السورة:
نزلت سورة الإخلاص في مكة حين كانت تعلوها معتقدات الشرك، وعبادة الأوثان، ونظام الجاهلية، فجاءت آيات السورة الجامعة المانعة بمثابة إعلان لهوية رسالة الإسلام المتميّزة، وتصريح بانفصالها عن عقيدة المجتمع وعبادته ونظامه. تبدأ السورة بتنزيه الله سبحانه عن الشرك والاحتياج {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ}، لا بصيغة الأمر بالإيمان، بل بصيغة الأمر بالإعلان، فقوله تعالى {قُلْ} أمر بالصدع والتصريح العام على الملأ، وهو يؤشر على أن عقيدة الإسلام عقيدة للجماعات والكيانات البشرية، فهي تخاطب الحياة العامة وشؤونها، ولا تقبل بطبيعتها الاعتزال في الزوايا أو الانغلاق في وجدان الأفراد. ويكتسب هذه الإعلان أهمية خاصة بسبب موقعه؛ فمكة حينئذ كانت تعد مركزاً للقيادة الدينية والروحية بين العرب؛ لارتباطها بأبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام، ولكونها تضم الكعبة بيت الله الحرام الذي تحجّ إليه قبائل العرب من أنحاء الجزيرة، وهي فوق ذلك مركز تجاري تشد إليه رحال القبائل في رحلة الشتاء والصيف. بيد أن السورة لم تقتصر على إعلان تمايز رسالة الإسلام عن عقائد الشرك لدى قريش والعرب فحسب، بل شملت الأديان السماوية المحرفة من يهودية ونصرانية، حيث نزّهت الله عن الولد والوالد وهو ما تزعمه النصارى وفرق من اليهود {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ}. وشمولية الخطاب هذه لمختلف العقائد والأديان والأقوام، مؤشر على عالمية الإسلام في عقيدته ودعوته منذ البدايات الأولى للوحي. وهي كذلك مؤشر على تجاوز العقيدة والدعوة لجغرافيا المكان؛ فموضوع الخطاب وصفة المخاطب يتجاوز قريش ومكة، بل يتعدى العرب وجزيرتهم إلى ما وراءها شرقاً وغرباً.
 
ولهذه السورة فضائل عدة وردت عن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم:
روى الترمذيّ عن أنس بن مالك أنه قال: "أَقْبَلْت مَعَ النَّبِيّ فَسَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأ {قُلْ هُوَ اللَّه أَحَد}، فَقَالَ رَسُول اللَّه: «وَجَبَتْ». قُلْت: "وَمَا وَجَبَتْ؟" قَالَ: «الْجَنَّة»" [1].
 
وثبت في صحيح البخاريّ عن أبي سعيد الخُدْريّ: "أَنَّ رَجُلًا سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} يُرَدِّدُهَا فَلَمَّا أَصْبَحَ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، وَكَأَنَّ الرَّجُلَ يَتَقَالُّهَا [أي يراها قليلة] فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ»" (انظر ملحق رقم 1).
 
وروى مسلم عن عائشة رضي الله عنها: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَعَثَ رَجُلاً عَلَى سَرِيَّةٍ فَكَانَ يَقْرَأُ لأَصْحَابِهِ فِي صَلاتِهِمْ، فَيَخْتِمُ بـ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ فَقَالَ: «سَلُوهُ لأَيِّ شَيْءٍ يَصنَع ذَلِكَ؟» فَسَأَلُوهُ. فَقَالَ: "لأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا". فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يُحِبُّهُ». وفي رواية الترمذي: «إنَّ حُبَّها أدْخَلَكَ الجَنَّة».
 
وروى البخاري عن عائشة رضي الله عنها: "أَنَّ النبيَّ كَانَ إِذَا أَوى إِلى فِرَاشِهِ كُلَّ لَيْلةٍ جمَع كَفَّيْهِ ثُمَّ نفَثَ فيهما فَقَرأَ فِيهما: {قُلْ هُوَ اللَّه أَحَدٌ}، و{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفلَقِ}، و{قُلْ أَعُوذُ بِربِّ النَّاسِ}، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا ما اسْتطاعَ مِن جسَدِهِ، يبْدَأُ بِهما عَلَى رَأْسِهِ وَوجهِهِ، وما أَقبلَ مِنْ جَسَدِهِ، يَفْعَلُ ذلكَ ثَلاَثَ مرَّات".
 
وفي تسميتها بسورة الإخلاص أوجه، الراجح منها ما نُقل عن عبدالله بن المبارك "لأن فيها إخلاصا لله من كل عيب ومن كل شريك وولد" [2].
 
ب - التفسير:
{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}
{قُلْ} الأمر هو للرسول صلى الله عليه وسلم وهو عام يشمل أمته وفق القاعدة المشهورة (خطاب الرسول خطاب لأمته).
 
{هُوَ} يُسمّى ضمير الشأن، ويستعمل في اللغة لأمر يراد منه التعظيم أو الاختصاص، ويكون موضع الاهتمام بالجملة التي بعده، والشأن هنا {اللَّهُ أَحَدٌ} [3].
 
{اللَّهُ} لفظ الجلالة، وهو اسم علم وليس معرفاً للفظ الإله.
 
{أَحَدٌ} الواحد، الذي لا شبيه له، ولا نظير ولا شريك [4].
 
والمعنى أن الله سبحانه منفرد بالخلق والألوهية رداً على المشركين من الوثنيين والنصارى القائلين بالتثليث، والمجوس الثانوية؛ فتعدد الآلهة مستحيل عقلاً وواقعاً، ويشهد لذلك نظام الكون، وهو ما يشير إليه قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا} [سورة الأنبياء، الآية: 22].
 
{اللَّهُ الصَّمَدُ}
{الصَّمَدُ}: الدائم والمُحتاج إليه [5].
 
ومعنى الصمد في اللغة هو المقصود فى الحوائج والمطالِب والنوازل [6]. وجاء في تفسير الإمام الشوكاني: "هو الذي يصمد إليه في الحاجات، أي: يُقصَد لكونه قادراً على قضائها". ونقل الإمام القرطبي والإمام ابن كثير عن ابن عباس رضي الله عنه قوله: "يعني: الذي يصمد إليه الخلائق في حوائجهم ومسائلهم".
 
{لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ}
{لَمْ يَلِدْ} أي لم يتخذ ولداً؛ لأن ذلك يقتضي زيادة بعد نقصان وهو سبحانه مستغن عن الولد، فمن احتاج للولد فهو ناقص، ومن يلِد فهو زائل وفان [7]، وأيضاً يلزم أن تكون له صاحبة، أي مماثلة ومجانسة، وهو ما أبطله سبحانه في سورة الأنعام بقوله: {أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَـٰحِبَةٌ} [سورة الأنعام، الآية: 101]. وفي هذه الآية رد مفحم بأسلوب السؤال الاستنكاري الذي يضطر الخصم إلى الإقرار ببطلان زعمه بنفسه؛ فالتوالد من صفة المخلوقات من إنسان وحيوان وطير، وهو لا يكون إلا بزوجين. أي أنكم تقرون أنه تعالى ليس له صاحبة، فكيف تنسبون له الولد؟ فتزعمون أمراً تقرون بنقيضه أو انعدام مقتضاه وهو مناف لبديهيات العقل ولا يليق بالعقلاء! (انظر ملحق رقم 2).
 
{ولَمْ يُولَدْ}
 فهو ليس بمحدث؛ لأنه يقتضي وجودًا بعد عدم، والمولود مُحدث أي وُجد بعد أن لم يكن، والمولود هو أيضاً محتاج؛ لكونه يستند في وجوده إلى غيره.
 
وصفة الولادة أياً كانت تحتّم المحدودية؛ حيث إن كل والد ومولود له جسم يجعله محدوداً في زمن وجوده، ومكان وجوده، وقدراته الحسية وجميع صفاته. كما أن من شأن الكائنات المتوالدة أن يعتريها التغيّر من حال إلى حال، فمن يلِد يعتريه التمدّد والزيادة ثم الضعف والهرم والفناء، وكذلك من يولد يعتريه النمو والقوة ثم الضعف فالهرم والفناء. وعليه يستحيل على من اتصف بصفة الولادة -بما تقتضيه من نقص واحتياج وحدوث وتغيّر- أن يكون خالقاً أزلياً لكونه محدود في وجوده زماناً ومكاناً، في الحيّز وفي القدرات، وذلك كله مستحيل في حق الله سبحانه؛ لاتصافه بصفات الكمال المطلق. وبهذا أعلمهم سبحانه أنه منزّه عن صفات النقص التي تتصف بها المخلوقات، فهو أحد صمد، منزّه عن النقص والاحتياج والحدوث، أزليّ ليس قبله شيء، وأبدي ليس بعده شيء، لا مثيل له ولا نظير ولا شريك، سبحانه وتعالى عما يصفون علواً كبيراً.
 
قال الإمام القرطبي: "وقال ابن عباس: {لَمْ يَلِدْ} كما وَلَدَتْ مَرْيَم، ولم يُولد كما وُلِدَ عيسى وعُزَيرٌ. وهو ردّ على النصارى، وعلى من قال: عُزيرٌ ابن الله (أي اليهود)". وأورد الإمام الشوكاني في تفسيره عن قتادة قوله: "إن مشركي العرب قالوا: الملائكة بنات الله. وقالت اليهود: عزير ابن الله. وقالت النصارى: المسيح ابن الله، فأكذبهم الله فقال: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ}". وروى الإمام ابن كثير في تفسيره عن عكرمة أنه قال: "لما قالت اليهود: نحن نعبد عزيراً ابن الله، وقالت النصارى: نحن نعبد المسيح ابن الله، وقالت المجوس: نحن نعبد الشمس والقمر، وقالت المشركون: نحن نعبد الأوثان، أنزل الله على رسوله: {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ}".
 
{وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}
الكفو: المثل والنظير [8] والمعنى: لم يكن له مِثلاً أحد، وهو قول ابن عباس وأبيّ بن كعب وعطاء [9].
 
قال الإمام الشوكاني: "{وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ} هذه الجملة مقرّرة لمضمون ما قبلها؛ لأنه سبحانه إذا كان متصفاً بالصفات المتقدمة كان متصفاً بكونه لم يكافئه أحد، ولا يماثله ولا يشاركه في شيء".
 
وأورد الإمام ابن كثير عن مجاهد قوله: "{وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ} يعني: لا صاحبة له، وهذا كما قال تعالى: {أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَـٰحِبَةٌ} [سورة الأنعام، الآية: 101]. والأول هو الراجح، وهو قول جمهور المفسرين، وذلك لأن معنى الكفؤ في اللغة [10] هو المثيل والنظير، والشرع لم يأت لها بمعنى اصطلاحي آخر فوجب اعتماد المعنى اللغوي كما هو مقرر في علم التفسير لقوله تعالى: {إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [سورة يوسف، الآية: 2].
 
وجاء في صحيح البخاري حول معاني السورة أن النبي قال: «لا أَحَد أَصْبَر عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنْ اللَّه يَجْعَلُونَ لَهُ وَلَدًا وَهُوَ يَرْزُقهُمْ وَيُعَافِيهِمْ». وأخرج البخاري عن أبي هريرة عن النبي قال: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: لَنْ يُعِيدَنِي كَمَا بَدَأَنِي، وَلَيْسَ أَوَّلُ الْخَلْقِ بِأَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ إِعَادَتِهِ، وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا، وَأَنَا الْأَحَدُ الصَّمَدُ، لَمْ أَلِدْ وَلَمْ أُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفُوًا أَحَدٌ».
 
ج- سبب النزول:
ورد في سبب نزول هذه السورة أنها جاءت ردّاً على سؤال اليهود والنصارى لرسول الله حيث قالوا: "يا محمد، صف لنا ربك". وروي أن المشركين أرسلوا عامر بن الطفيل إلى رسول الله فقالوا: "قل له شققت عصانا وسببت آلهتنا وخالفت دين آبائك، فإن كنت فقيراً أغنيناك، وإن كنت مجنوناً داويناك، وإن هويت امرأة زوجناكها"، فقال رسول الله: «لَسْتُ بِفَقِيرٍ وَلا مَجْنُونٍ وَلا هَوَيْتُ امْرَأَةً، أَنَا رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ، أَدْعُوكُمْ مِنْ عِبَادَة الأَصْنَامِ إِلَى عِبَادَتِهِ»، أرسلوه ثانية وقالوا له: "قل له بيّن لنا جنس معبودك"، فأنزل الله هذه السورة [11].
 
وهذه عادة رؤوس الكفر في كل زمان ومكان؛ يظنّون أن رسل الله ودعاة الإسلام يبتغون بدعوتهم غرضاً مادياً من مال هالك، أو منصب زائل، أو شهوة عابرة. ولذلك تراهم يساومون حملة الدعوة الإسلامية على دعوتهم ويقدمون لهم الإغراءات المادية؛ لصرفهم عن منهجهم وقضيتهم وغايتهم. وهذه الإغراءات والمنح لا تقل خطورة عن التعذيب والمحن، بل قد تكون أشد خطورة؛ لما فيها من فتنة خفية، فالتعذيب والمحن قد استعدّ له الرسل وأتباعهم، وحملة الدعوة من بعدهم، بينما تأتي الإغراءات على حين غفلة، دون توقع أو استعداد، أو بعد طول شظف وإجهاد، فتجد لها وقعاً في النفوس بحجة (المصلحة) و(الحكمة) بعد طول إرهاق وتضحيات ونصب. وقد بلغ من خطورة هذه القضية، أن أنزل الله سبحانه على نبيه الكريم آيات فيها وعيدٌ شديدٌ لمن تسوّل له نفسه الركون إلى أعداء الإسلام ومساومتهم على دعوة الحق، أو التنازل لهم عما يكرهون من عقائد وتشريعات تشكل خطراً على كيانهم أو سلطانهم أو مصالحهم، قال تعالى: {وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ ۖ وَإِذًا لَّاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا * وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا} [سورة الإسراء، الآيات: 73-75]. (انظر ملحق رقم 3).
 
د- المعنى الإجمالي:
سورة الإخلاص هي بمثابة إعلان للوحدانية في بداية بعثة الرسول برسالة الإسلام، وهي جاءت في عصر علت فيه رايات الشرك في جزيرة العرب وبلاد فارس والروم وسائر الأمم. والمعنى من إعلان الوحدانية هو دعوة الناس إلى نبذ ما يعبدون ويقدّسون من دون الله من الأوثان والآباء من أصنام الحجر والبشر. فالله أحدٌ في كل صفاته، في قدرته وأزليته، وعلمه وحكمته، لا يمكن أن يقبل الشركة، حتى ولو كان الشريك ملكاً مقرّباً، أو نبيّاً مرسلاً، أو وليّاً صالحاً.
 
ما معنى الصمدية فهو دعوة الناس إلى الالتجاء إلى الله وحده، وعدم الالتجاء إلى غيره من المخلوقات والعباد؛ لكونهم لا يملكون نفعاً ولا ضراً، ولا يملكون موتاً ولا حياة ولا نشوراً، بل هم أنفسهم محتاجون لمن يصرف عنهم السوء ويقضي لهم حوائجهم، وكيف ينصرف الناس في تقديسهم وعبادتهم عن الخالق المستغني إلى من يتساوى معهم في صفات النقص والعجز والاحتياج من الجمادات والبشر؟ قال تعالى: {مَا ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ ، وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ ٱلطَّعَامَ} [سورة المائدة، الآية: 75].
 
وحُقّ لسورة الإخلاص أن تعدل ثلث القرآن، رغم قصر السورة وآياتها الموجزة، فقد احتوت هذه الآيات المعدودة جوهر العقيدة الإسلامية بأساسها العقلي القاطع الدامغ. وكما أشار علماء التفسير فإن آيات القرآن تدور حول ثلاثة محاور: هي العقائد، والأحكام، والقصص. قال الإمام البيضاوي في تفسيره: "جاء في الحديث أنها تعدل ثلث القرآن، فإن مقاصده محصورة في بيان العقائد والأحكام والقصص".
 
وإذا تمعنّا في سورة الإخلاص نجد أنها تضمنت إثباتيْن ونفييْن:
1- إثبات الوحدانية، ونفي الشريك، {قُلْ هُوَ اللَّـهُ أَحَدٌ}.
2- إثبات الاستغناء، ونفي الاحتياج، {اللَّـهُ الصَّمَدُ}.
3- نفي المحدودية، {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ}.
4- نفي المثيل، {وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ}.
 
هـ - فائدة:
إن توحيد الله في الاعتقاد توحيداً شاملاً، وترجمة هذا التوحيد عملياً في سلوك الأفراد وعلاقات المجتمع وشؤون الدولة إنما يكون بإفراد الله سبحانه في العبودية بتلقي التشريع، أي التحليل والتحريم، عن رسول الله حصراً فيما بلّغنا إياه من قرآن كريم وسنة شريفة، قال تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمآءِ إِلَـٰهٌ وَفِي ٱلأَرْضِ إِلَـٰهٌ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْعَلِيمُ} [سورة الزخرف، الآية: 8].
 
والسورة على الأرجح مكية، وهي -كغيرها من السور المكية- تتمحور حول العقائد والتوحيد وجدال المشركين وغيرهم، بنقض عقائدهم، وتثبيت العقيدة الإسلامية بطريق الحجج العقلية والبراهين القائمة على الحس؛ ولذا، فعلى كل من يريد أن يحمل الدعوة الإسلامية اليوم، من أهل الفكر والعلم والدعوة، وخاصة الجماعات والأحزاب، أن يترسموا منهج القرآن، ويتأسّوا برسول الله في طريقة حمله للدعوة الإسلامية في مكة، وفي المدينة؛ حيث تعرّض لعقائد المجتمع ونقضها وبيّن زيفها، ولم يظهر تجاهها أية مجاملة أو مساومة أو مهادنة، كما يفعل الكثيرون اليوم، حيث يتنكب بعضهم عن مواجهة العلمانية مثلاً ببيان زيفها ومناقضتها للإسلام، بينما يقوم بعضهم الآخر بتزيينها، بل والمشاركة فيها وفي ملحقاتها من ديمقراطية ورأسمالية.
 
وهذه السورة وأمثالها من السور المكية؛ التي تدور معاني آياتها حول العقائد الصحيحة هي الركن الأول الذي انطلق منه رسول الله في بناء شخصيات الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم، فنقّاهم من عقائد الشرك والوثنية، وركّز فيهم التوحيد والإخلاص فكراً وسلوكاً، عقيدة وعبادة.
وهي أيضاً الأساس الذي أقام عليه رسول الله تكتل الصحابة الكرام، بعد أن صهرهم بمفاهيم الإسلام، وأزال عنهم روابط الجاهلية؛ ليتمكنوا من حمل الدعوة الإسلامية، والجهاد في سبيلها مهما تطلب ذلك من تضحيات.
 
وهي كذلك الأساس الذي أسّس عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم المجتمع الإسلامي بين الأوس والخزرج، والمهاجرين والأنصار؛ فجعل العقيدة الإسلامية وحدها عماد العلاقات في المجتمع، ومصدر التشريع في الأمة والدولة.
 
وهذه السورة وأمثالها، بما جاءت به من العقائد والأفكار الإسلامية، هي ذاتها الأصل الذي أقام عليه الرسول الدولة الإسلامية الأولى في المدينة المنورة؛ حيث جعل العقيدة الإسلامية أساساً للدولة، وجعل القرآن والسنة المصدر الوحيد للدستور والقوانين وسائر الأحكام والتشريعات.
 
ملحق رقم 1:
يجدر هنا التنبيه إلى الفرق بين الجزاء والإجزاء. فالجزاء: هو الثواب الذي يعطيه الله تعالى على الطاعة. والإجزاء: هو أن يسدَّ الشيء عن غيره، ويجزئ عنه. فقراءة {قُلْ هُوَ اللَّـهُ أَحَدٌ} لها جزاء قراءة ثلث القرآن، إلا أنها لا تجزئ عن قراءة ثلث القرآن؛ فمن نذر –مثلاً– أن يقرأ ثلث القرآن، فلا تجزئه قراءة {قُلْ هُوَ اللَّـهُ أَحَدٌ} لأنها تعدل ثلث القرآن في الجزاء والثواب، لا في الإجزاء والإغناء عن قراءة ثلث القرآن.
 
ومثل هذا في الشرع: ما أعطاه الشارع لمن صلَّى صلاة واحدة في الحرم المكي، وأنه له أجر مائة ألف صلاة، فهل يفهم أحد من هذا الفضل الرباني أنه لا داعي للصلاة عشرات السنين؛ لأنه صلَّى صلاة واحدة في الحرم تعدل مائة ألف صلاة؟
 
بل هذا في الجزاء والثواب، أما الإجزاء فشيء آخر. ثم إنه لم يقل أحد من أهل العلم إنه ليس بنا حاجة لقراءة القرآن، وأن {قُلْ هُوَ اللَّـهُ أَحَدٌ} كافية عنه؛ ذلك أن القول الصحيح من أقوال أهل العلم أن هذه السورة كان لها هذا الفضل؛ لأن القرآن أُنزل على ثلاثة أقسام: ثلث منها للعقائد، وثلث منها للأحكام، وثلث للقصص. والمسلم لا غنى له عن الأمرين الآخرين وهما الأحكام والقصص، ولا يتم له معرفتهما إلا بالنظر في كتاب الله كاملاً، ولا يمكن لمن يقف عند سورة (الصمد) أن يعرف هذين الأمرين.
 
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والثواب أجناس مختلفة كما أن الأموال أجناس مختلفة من مطعوم ومشروب وملبوس ومسكون ونقد وغير ذلك، وإذا ملك الرجل من أحد أجناس المال ما يعدل ألف دينار مثلا لم يلزم من ذلك أن يستغنيَ عن سائر أجناس المال، بل إذا كان عنده مال وهو طعام فهو محتاج إلى لباس ومسكن وغير ذلك، وكذلك إن كان من جنس غير النقد فهو محتاج إلى غيره، وإن لم يكن معه إلا النقد فهو محتاج إلى جميع الأنواع التي يحتاج إلى أنواعها ومنافعها، والفاتحة فيها من المنافع: ثناء ودعاء مما يحتاج الناس إليه ما لا تقوم {قُلْ هُوَ اللَّـهُ أَحَدٌ} مقامه في ذلك، وإن كان أجرها عظيماً فذلك الأجر العظيم إنما ينتفع به صاحبه مع أجر فاتحة الكتاب ولهذا لو صلى بها وحدها بدون الفاتحة: لم تصح صلاته، ولو قدِّر أنه قرأ القرآن كله إلا الفاتحة: لم تصح صلاته لأن معاني الفاتحة فيها الحوائج الأصلية التي لا بد للعباد منها" (مجموع الفتاوى، 17/131) .
 
وقال رحمه الله: "فالقرآن يحتاج الناس إلى ما فيه من الأمر والنهي والقصص، وإن كان التوحيد أعظم من ذلك، وإذا احتاج الإنسان إلى معرفة ما أُمر به وما نهي عنه من الأفعال، أو احتاج إلى ما يؤمر به ويعتبر به من القصص والوعد والوعيد: لم يسدَّ غيرُه مسدَّه، فلا يسدُّ التوحيدُ مسدَّ هذا، ولا تسدُّ القصص مسدَّ الأمر والنهي ولا الأمر والنهي مسدَّ القصص، بل كل ما أنزل الله ينتفع به الناس ويحتاجون إليه. فإذا قرأ الإنسان {قُلْ هُوَ اللَّـهُ أَحَدٌ}، حصل له ثوابٌ بقدر ثواب ثلث القرآن، لكن لا يجب أن يكون الثواب من جنس الثواب الحاصل ببقية القرآن، بل قد يحتاج إلى جنس الثواب الحاصل بالأمر والنهي والقصص، فلا تسد {قُلْ هُوَ اللَّـهُ أَحَدٌ} مسد ذلك ولا تقوم مقامه."
 
ثم أوضح أمراً دقيقاً فقال: "فالمعارف التي تحصل بقراءة سائر القرآن لا تحصل بمجرد قراءة هذه السورة، فيكون من قرأ القرآن كله أفضل ممن قرأها ثلاث مرات من هذه الجهة لتنوع الثواب، وإن كان قارئ {قُلْ هُوَ اللَّـهُ أَحَدٌ} ثلاثاً يحصل له ثواب بقدر ذلك الثواب لكنه جنس واحد ليس فيه الأنواع التي يحتاج إليها العبد، كمن معه ثلاثة آلاف دينار وآخر معه طعام ولباس ومساكن ونقد يعدل ثلاثة آلاف دينار فإن هذا معه ما ينتفع به في جميع أموره وذاك محتاج إلى ما مع هذا، وإن كان ما معه يعدل ما مع هذا، وكذلك لو كان معه طعام من أشرف الطعام يساوي ثلاثة آلاف دينار فإنه محتاج إلى لباس ومساكن وما يدفع به الضرر من السلاح والأدوية وغير ذلك مما لا يحصل بمجرد الطعام" (مجموع الفتاوى، 17/137 – 139).
 
ملحق رقم 2:
ينعى الله تعالى في هذه الآية الكريمة {بَدِيعُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَـٰحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ} [سورة الأنعام، الآية: 101] على مشركي العرب زعمهم أن الملائكة بنات الله، وعلى أهل الكتاب زعمهم بأن لله ولد؛ لتناقض هذا الزعم مع بدهيات العقل والإيمان الصحيح؛ فكيف يكون لله ولد وهو خالق كل شيء؟ والعقل يحتّم أن يتصف الخالق بصفات الكمال وهي تتناقض مع صفات المخلوقات من توالد أي نقص وعجز واحتياج وتغيّر، فكيف يكون للخالق من خلقه نظير يساميه، أو قريب يدانيه؟
 
والآية المذكورة {أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَـٰحِبَةٌ} مثال من أمثلة كثيرة لآيات تضمنت براهين عقلية دامغة، وحججاً مفحمة وهي سمة بارزة في السور المكية خاصة في جدال المشركين، كقوله تعالى: {قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً * أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ} [سورة الإسراء، الآيات: 50-51]، وقوله تعالى: {مَا اتَّخَذَ اللَّـهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـٰهٍ ۚ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} [سورة المؤمنون، الآية: 91]، وقوله جل وعلا: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّـهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [سورة النساء، الآية: 82] وقوله سبحانه فيما نزل في جدال اليهود والنصارى في المدينة: {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِيۤ إِبْرَاهِيمَ وَمَآ أُنزِلَتِ ٱلتَّورَاةُ وَٱلإنْجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [سورة آل عمران، الآية: 65]. فقد وضعت هذه الآيات بما فيها من قوة التحدي والبراهين الساطعة العقلاء والحكماء من المشركين في مكة، والأحبار في المدينة، في حيرة وارتباك، وأظهرتهم بمظهر المتناقض أمام أتباعهم، ولقد شاءت حكمة الله البالغة أن تأتي هذه الحجج والبراهين في آيات تُتلى عبر العصور والأجيال حتى قيام الساعة؛ ليستبين في عصرنا الحاضر منهج القرآن في الدعوة ونقض العقائد والمبادئ المادية والشيوعية والعلمانية والليبرالية وغيرها. وكان من جراء هذه الآيات المحاجِجة والمتسمة بالقوة والموضوعية في آن معاً أن أضعفت مصداقية هؤلاء الزعماء من أصحاب القيادات الفكرية والروحية والسياسية في أقوامهم ومجتمعاتهم، سواء الوثنية أم الدينية، بل وزعزت ثقة الناس بهم، وحطمتها عندما ظهر للأتباع ضعف عقول زعاماتهم وضلال تفكيرهم. ولذلك كان أعداء الإسلام غالباً ما يتجنبون التحدي الفكري والبحث الموضوعي، وهم يلجؤون إلى أساليب الدعاية المضللة لتشويه الحقائق، فإن لم تنفع الدعايات المضللة في صد الناس عن سبيل الله، توسّلوا بأساليب القمع والتعذيب الجسدي لمنع ظهور رسالة الإسلام، وانتشار أفكاره بين الناس. أما إذا أسقط في أيديهم ورأوْا تعاظم الخطر على كياناتهم أو حضارتهم شنّوا الحروب المادية لمنع قيام نظام الإسلام، أو اتساع رقعة فتوحاته.
 
وعلى هذا النسق المذكور أعلاه يسير القرآن في إقامة البرهان تلو البرهان على وحدانية الله جلّ وعلا، وبأساليب متنوعة. من كانت صفته الرحمن يستحيل عقلاً أن يكون له ولد، فمن له ولد ليس بخالق ولا أزلي، فالنقيضان لا يجتمعان أبداً، قال الله تعالى: {وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً * تَكَادُ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ * وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ * وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً * وَمَا يَنبَغِى لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً} [سورة مريم، الآيات: 88-92].
 
وكون النقيضين لا يجتمعان هو من المسلّمات العقلية عند جميع العقلاء من بني البشر، رجالاً ونساء، علماء وعامة، كباراً وصغاراً، متعلمين وأميين. فإن قال قائل: إن فلاناً موجود في المنزل والمستشفى في آن معاً فهو مخالف لمسلمات العقل؛ فقوانين الزمان والمكان في الوجود تحتّم استحالة وجود الشخص أو الشيء في مكانين مختلفين في ذات الوقت. وكذلك القول: إن فلان حيّ وميت؛ هو مناقض لمسلمات العقل، أو وصف ذات الشيء بأنه تراب وطائر، أي جماد وكائن حي، فإن ذلك جمع بين المتناقضات وهو مستحيل؛ ولذلك نعى الله سبحانه على الكفار إنكارهم لوجود الله ووحدانيته وهو ما تشهد له مسلمات العقل لدى كل إنسان أعمل عقله بتجرد عن الهوى والتقليد والتعصب، ولذلك أيضاً وصفهم سبحانه بأنهم كالأنعام {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ، إِنْ هُمْ إِلاَّ كَٱلأَنْعَامِ} [سورة الفرقان، الآيات: 43-44]، فهم قد عطلوا العقل –أي المسلمات العقلية لدى جميع البشر- في قضية الإيمان والحكم على الوجود والحياة فكانوا والأنعام سواء، وذلك لأن الأنعام ليس لها عقل وفكر لتحاكم الأشياء، وتستنبط الأفكار، وتستدل على العقائد فتتبيّن الحق من الباطل، ولا تملك دماغاً يتمتع بخاصية الربط بين المعلومات عن الأشياء وتحليلها، واستنباط النتائج للخروج بأحكام وأفكار وتصورات جديدة، وبمعنى آخر فإن الأنعام تسير غرائزياً في إشباع حاجاتها وسائر تصرفاتها من تكاثر، واتقاء للخطر والعدوان. ولذلك فمن عطّل العقل وحكَّم هواه في عقيدة الحياة فقد انحط عن مستوى الإنسان إلى مستوى الحيوان؛ فتعطيل العقل متلازم ولا بد بتحكيم الهوى، ولذلك قال تعالى في الآية التي قبلها: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا * أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ۚ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ} [سورة الفرقان، الآيات: 43-44]. إلا أن القضية أخذت بعداً أخطر من ذلك، والسبب أن إنكار وجود الله ووحدانيته لم يقتصر على مخالفة المسلمات العقلية لدى العقلاء، بل تجاوزه ليتناقض مع المسلمات الفطرية، حتى لدى الأطفال. ألا ترى أن الطفل الصغير يبكي إن غادر أبوه المنزل، ولم يأخذه معه لكونه -بحكم الفطرة- يدرك أنه لا يمكن أن يكون موجودًا، في الوقت ذاته، في مكانين: حضن أمه في المنزل، وبصحبة أبيه في الخارج. وكذلك الطفل الصغير يبكي إن جاء طفل أخر أو شخص ما، ونزع منه لعبته، لكونه -بحكم الفطرة- يدرك أنه لا يمكن لذات اللعبة أن تكون بيده، وبيد شخص آخر في ذات الوقت، فالنقيضان لا يجتمعان. والفطرة، وليس بدهيات العقل فقط، تهدي الإنسان منذ طفولته، وقبل بلوغ سنّ التمييز؛ حيث يبدأ في عقل الأشياء، تهديه إلى سنن الوجود وقوانين الزمان والمكان، التي يخضع لها الإنسان وجميع الأشياء في هذا العالم. ومن هنا نجد أن الله سبحانه لم يصف هؤلاء الجاحدين المعاندين بأنهم كالأنعام فقط، بل جعلهم أضلّ من الأنعام، حيث قال عز وجل: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ۚ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} [سورة الفرقان، الآية: 44]. فالأنعام تهتدي لمراعيها، وتعرف بحكم الفطرة ما ينفعها وما يضرها، وتستشعر الأخطار فتتقيها، بما حباها الله به من حواس وقدرات، أما هؤلاء فلم ينتفعوا بما حباهم به خالقهم من نعمة العقل، ولم ينتفعوا حتى بما لديهم من فطرة سليمة تحفّز العقل وترشده للاهتداء إلى الإيمان بالخالق المدبر. بل إنهم –بدلاً من أن يُحكّموا العقل في قضية سبب الوجود والغاية منه- انسلخوا من فطرتهم، واتبعوا الهوى فأردى بهم في الضلال والمعيشة الضنكى في الحياة الدنيا، وجلب لهم الخزي والعذاب في الدارة الآخرة.
 
والخلاصة أنّ هؤلاء الكفار:
1- حكّموا الهوى، ثم
2- عطّلوا عقولهم،
3- فتساووا بالأنعام، بل
4- كانوا أضلّ منها.
 
ولذا فقد استحقوا وصف الله تعالى لهم بأنهم كالأنعام بل هم أضل منها؛ لكونها تميّزت عنهم بانتفاعها بفطرتها، بينما كان الواجب أن يتميّز هؤلاء -بحكم إنسانيتهم– عن الأنعام بأن فضّلهم ربهم، وأكرمهم بنعمة العقل، فهل بعد هذا الضلال من ضلال؟
 
والسؤال الذي لا يزال يحيّر الكثيرين: كيف أصبح هؤلاء الكفار أضلّ من الأنعام، مع أنهم أقاموا صناعات، وشيّدوا حضارات وممالك كفارس والروم، ودول الغرب الرأسمالي في هذا العصر أحدثوا تحولات هائلة في مجال العلوم والتكنولوجيا والصناعة؟ والجواب بإيجاز أنهم عطلوا عقولهم في قضية الإيمان فضلّوا، واستعملوا عقولهم في العلوم والصناعة فتقدموا؛ لأخذهم بالأسباب المادية، وسيرهم وفق قوانين الطبيعة؛ بيد أنهم تقدّموا في وسائل الحياة ورفاهيتها، وتراجعوا بل أخفقوا في تحقيق السعادة للإنسان، وإقامة العدل بين الناس، وأقاموا بنيان حضارتهم على شفا جرف هار يكاد يهوي بهم، لكنه ينتظر خروج خير أمة أخرجت للناس، فتعي لما أخرجت له، وتتلبس فيما أخرجت به، فتستأنف حمل الدعوة الإسلامية للعالم، فتقيم فيه حكم الإسلام، وتشيع فيه الهداية والعدل، وتسعى لإنقاذ البشرية في الدنيا وفلاحها في الآخرة، ولعله يكون قريباً بإذن الله تعالى.
 
ملحق رقم 3:
ولا تزال نظريات الباحثين الغربيين تدور حول هذه التفسيرات السطحية والمغرضة؛ التي روّج لها مشركو قريش ضد نبي الإسلام وأتباعه منذ أربعة عشر قرناً، فهم حين يتعرضون لظاهرة اعتناق الآلاف من الغربيين في أوروبا وأمريكا للإسلام، ونبذهم للحضارة الغربية وفسادها، لا يفتؤون يرددون أن السبب هو إما المشكلات الاجتماعية والاقتصادية، أو الاضطرابات النفسية، وتدني المستوى التعليمي، أو الرغبة في الزواج من رجل مسلم أو فتاة مسلمة، ويريدون بذلك الإيهام بأن دافع هؤلاء لاعتناق الإسلام هو الغريزة، أو الضياع وفقدان البديل، أو ما شابه، ما يعني -ضمناً- أمرين: الأول: أن هذ الإقبال المتصاعد لا دلالة فيه على (احتمال) أن يكون الإسلام هو الدين الحق، والنظام الصالح لبني الإنسان، وأن خيار هؤلاء الغربيين ليس مؤشراً على أن في الإسلام قوة إنسانية جاذبة تحقق الطمأنينة والسعادة والاستقرار. والثاني: أن هؤلاء المسلمين جاؤوا من طبقة مهمشة لايعتد بها، فهي مشكوك بسلامتها أو توازنها العقلي والنفسي، وما دفعها للإسلام إلا ظروف ناتجة عن تخلف المجتمع وإهمال الدولة، فهي طبقة تائهة تبحث عن مأوى، وتلجأ إلى الدين؛ هرباً من مشكلاتها الحياتية. وهم بنظريتهم تلك يضاهئون قول الذين كفروا من قبل من قوم نوح عليه السلام؛ حيث أخبر الله تعالى عنهم: {فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ} [سورة هود، الآية: 27].
 
ولا يقتصر الأمر على تفسير ظاهرة الإقبال اللافت على الإسلام من قبل المسلمين الغربيين، بل إن نظريات التفسير المادي؛ التي يعتمدها المستشرقون من المفكرين والباحثين الغربيين، تستخدم أصلاً لتفسير التحوّل الحضاري والتوجّه المتسارع، الذي تشهده شعوب العالم الإسلامي نحو الإسلام عقيدة ونظام حياة، حضارة ودولة، وهو ما يُطلقون عليه خداعاً وتضليلاً (أصولية) و(إسلاماً سياسياً)، فيبحثون عن تفسيرات مادية وأسباب اقتصادية واجتماعية كالفقر والبطالة والتخلف العلمي والمدني، وتدني مستوي التعليم؛ لتفسير عودة الشعوب إلى الإسلام، وانصرافها عن المبادئ والأفكار والمذاهب التي نشرها الغرب المستعمر في المنطقة؛ قبل وبعد استعماره العسكري في القرنين التاسع عشر والعشرين، من مثل العلمانية والقومية والرأسمالية والديمقراطية والحريات العامة.
 
وفي سبب النزول لهذه السورة، وغيرها، دليل ومثال على أن القرآن كان يتنزل على الرسول صلى الله عليه وسلم حسب الوقائع والأحوال، سواء في تقرير العقائد نفياً وإثباتاً، أم في تشريع الأحكام تحليلاً وتحريماً. وهكذا يجب على المسلمين أن يحملوا الإسلام اليوم، التزاماً بمنهج القرآن، واتباعاً لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، في حمل دعوة الإسلام للناس، مسلمين وغير مسلمين، فيحملونه عقيدة وأحكاماً حملاً حيوياً عملياً يسير مع شئون الحياة الفكرية والثقافية والاقتصادية والسياسية والتشريعية والاجتماعية ... لا أن يعكفوا على حفظ نصوص الإسلام حفظاً جامداً، أو دراسته دراسةً علمية نظرية، أو يحملونه حملاً روحياً مجرداً كأن الإسلام معتقدات وجدانية ومواعظ أخلاقية تُعنى بالفرد وعلاقته بخالقه فقط، متجاهلين تشريعات الإسلام التي تنظم علاقات المجتمع وشئون الدولة، أو متغافلين عن حقيقة أنه نظام يعالج مشكلات الحياة، ويبيّن الحلول العملية الناجعة للإنسان، فرداً كان أم جماعة أم دولة.
 
 
 
 
فادي عبد اللطيف

المصدر: موقع الإسلام اليوم

المقالة السابقة
الإنسان في القرآن
المقالة التالية
منهج القرآن الكريم في عرض العقيدة
التعليقات
هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

أضف تعليقك

المسجلين في الموقع فقط يمكنهم إضافة تعليقات. سجل الآن.