دراسة بلاغية في سورة الحاقة

محمد عبد العزيز الموافي

عدد الزيارات: 2,673
QR Code
6 0

دراسة بلاغية في سورة الحاقة

د. محمد عبد العزيز الموافي

بسم الله الرحمن الرحيم

(الحاقة (1) مَا الْحَاقَّةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (3) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (4) فَأَمَّا ثَمُودُ.... ).   اعتمدت هنا على كتاب الجامع لأحكام القرآن للقرطبي. مطبعة الكتب المصرية القاهرة، 1948، ج 18، ص 257 وما بعدها، وتفسير الكشاف للزمخشري الطبعة الأولى، المكتبة التجارية، القاهرة 1354هـ.

الحاقة: القيامة سميت بذلك لأن الأمور تحق فيها، أو لأنها تكون من غير شك، أو أنها أحقت لأقوام الجنة ولآخرين النار، أو لأن فيها يصير كل إنسان حقيقاً بجزاء عمله. والحاقة والحقة والحق، ثلاث لغات بمعنى. وهي على صيغة اسم الفاعل مع إضافة التاء التي تنقل اللفظ من الوصفة إلى الاسمية.

والحاقة الأولى رفع بالابتداء، والخبر المبتدأ الثاني وخبره ما الحاقة؟ لأن معناه ما هي والفظ استفهام، ومعناه التعظيم والتفخيم لشأنها.

وما أدراك ما الحاقة: استفهام أيضاً (أي شيء أعلمك ما في ذلك اليوم؟) والنبي صلى الله عليه وسلم كان عالماً بالقيامة، ولكن بالصفة، فقيل تفخيماً لشأنها: وما أدراك ما هي؟   كأنك لست تعلمها، إذ لم تعاينها.

 قال بعض العلماء: كل شيء في القرآن قال فيه: ((وما أدراك)) فقد أدراه إياه وعلمه: وكل شيء قال ((ما يدريك)) فهو مما لم يعلمه.

وقال بعضهم: كل شيء قال فيه وما أدراك فإنه أخبر به، كل شيء قال فيه ((ما يدريك)) فإنه لم يخبر به.   القارعة: القيامة، لأنها تقرع الناس بأهوالها، يقال: أصابتهم قوارع الدهر، أي أهواله وشدائده، قوارع القرآن: الآيات التي يقرأها الإنسان إذا فزع من الإنس أو الجن، نحو آية الكرسي، كأنها تقرع الشيطان، وقيل القارعة مأخوذة من القرعة في رفع قوم وحط آخرين، قيل القارعة العذاب الذي نزل بهم في الدنيا، وكان نبيهم يخوفهم بذلك فيكذبونه.

 وثمود: قوم صالح، وكانت منازلهم بالحجر فيما بين الشام والحجاز في المنطقة التي تسمى وادي القرى، أما عاد فقوم هود، وكانت منازلهم بالأحقاف.

﴿ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ * وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ.... ﴾.

فأهلكوا بالطاغية: بالفعلة الطاغية، أو بالصيحة الطاغية؛ أي المجاوزة للحد والطغيان مجاوزة الحد، وقيل معناها بالطغيان فهي مصدر كالعاقبة والعافية، وقيل إن الطاغية هو عاقر الناقة أي أنهم أهلكوا بما أقدم عليه طاغيتهم من عقر الناقة، وكان واحداً، وإنما هلك الجميع لأنهم رضوا بفعله، وقيل له طاغية كما يقال رواية الشعر، وداعية، وعلامة.

صرصر: باردة تحرق ببردها كإحراق النار، مأخوذ من الصر وهو البرد، وقيل شديدة الصوت، أو الشديدة السموم.

عاتية: عتت على عاد فقهرتهم، أو على خزانها من الملائكة فلم تطعمهم، لأنها غضبت لغضب الله.

سخرها: أرسلها وسلطها عليهم، والتسخير: استعمال الشيء بالاقتدار.

حسوماً: متتابعة لا تفتر ولا تنقطع، أو هي من حسمت الشيء: إذا قطعته وفصلته عن غيره وقيل: الحسم: الاستئصال، ويقال للسيف: حسام، لأنه يحسم العدو عما يريده من بلوغ عداوته، والمعنى أنها حسمتهم أي قطعتهم وأذهبتهم.

وقيل الحسوم: الشؤم، لأنها تحسم الخير عن أهلها. وهذه الأيام هي التي يسميها العرب ((برد العجوز)) لأن عجوزاً من عاد دخلت سرباً، فتبعتها الريح فقتلتها في اليوم الثامن.

وحسوماً نصب على الحال أو على المصدر ((تحسمهم حسوماً)) ويمكن أن يكون مفعولاً لأجله، أي سخرها عليهم هذه المدة للاستئصال!   فيها: في تلك الأيام والليالي، أو في الريح.

أعجاز نخل خاوية: أصول نخل بالية. أو أن معنى خاوية: خالية الأجواف.   والنخل هنا مؤنث ويجوز تذكيره، كقوله تعالى ﴿ كأنهم أعجاز نخل منقعر ﴾.

باقية: صفة لمحذوف (فرقة أو نفس) وقيل من بقية، ويجوز أن يكون اسماً أي هل تجد لهم أحداً باقياً.   ومن قبله: من تقدمه من القرون الخالية والأمم الماضية.   المؤتفكات: أهل قرى لوط وسميت القرى مؤتفكات لأنها ائتفكت بهم: انقلبت، مشتقة من الإفك وهو القلب، ومنه قيل للكذب: إفك، لأنه قلب للحقيقة. بالخاطئة: الفعلة الخاطئة وهي المعصية والكفر.

﴿ فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً * إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ * لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ* فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ * وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً * فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ.... ﴾.

رسول ربهم: هو موسى عليه السلام، وقيل لوط لأنه أقرب، ولا مانع من إرادة الاثنين بلفظ. كما قال تعالى: ﴿ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾[1] وقيل رسول بمعنى رسالة.   رابية: عالية على الأخذات وعلى عذاب الأمم، ومنه الربا. وقيل شديدة.   طغى الماء: ارتفع وعلا.   حملناكم: حملنا آباءكم وأنتم في أصلابهم.

  الجارية: صفة للسفن، والمحمول في الجارية نوح عليه السلام وأولاده، وكل من على وجه الأرض من نسل أولئك.   لنجعلها لكم تذكرة: السفينة، أو الفعلة، موعظة لكم.

 وتعيها أذن واعية: تسمعها وتحفظها أذن حافظة لما جاء من عند الله يقال لكل ما حفظته في غير نفسك: أوعيته، ولما حفظته في نفسك: وعيته، ونظير قوله تعالى: ﴿ وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ﴾.   ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ﴾[2].   والأذن الواعية أذن عقلت عن الله تعالى وانتفعت بما سمعت من كتاب الله عز وجل. ويروى أن الرسول دعا ربه ((إن يجعلها أذن علي)) فكان كرم الله وجهه يقول:((ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً قط فنسيته إلا وحفظته)).   الصور: البوق.   نفخة واحدة: هي النفخة الأولى لقيام الساعة، فلم يبق أحد إلا مات، وجاز تذكير ((نفخ)) لأن تأنيث النفخة غير حقيقي. وقيل إنها الأخيرة.   وحملت الأرض والجبال: رفعت من أماكنها.   دكتا: فتتا وكسرتا. ولم يقل فدككن لأنه جعل الجبال كلها كالجملة الواحدة وكذلك الأرض ومثله قوله تعالى: ﴿ أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ﴾ [3].   وقعت الواقعة: قامت القيامة.   ﴿ وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ * يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ * فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ ﴾ .   وانشقت السماء: تصدعت وتفطرت، قيل لنزول ما فيها من الملائكة بدليل قوله تعالى: ﴿ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنزلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزيلًا ﴾ [4].   واهية: ضعيفة، وكلام واه: ضعيف، وقيل: متخرقة.   الملك: الملائكة، اسم للجنس.   على أرجائها: على أطرافها حين تنشق. وقيل ينتظرون ما يؤمرون به في أهل النار من السوق إليها، وفي أهل الجنة من التحية والكرامة. والأرجاء النواحي والأقطار، واحدها رجا (مقصور)، وثنيته رجوان.   ثمانية: ثمانية صفوف من الملائكة، أو ثمانية أملاك. الله أعلم.   فوقهم: حملة العرش فوق الملائكة الذين في السماء على أرجائها، أو فوق أهل القيامة.   يومئذ تعرضون: على الله لقوله تعالى: ﴿ وعرضوا على ربك صفاً ﴾ للحساب والمجازاة.   لا تخفى منكم خافية: لأنه سبحانه مطلع على كل شيء، فخافية على هذا بمعنى خفية كانوا يخفونها من أعمالهم. وقيل لا تستتر منكم عورة، كما قال صلى الله عليه وسلم ((يحشر الناس حفاة عراة)).   بيمينه: إعطاء الكتاب باليمين دليل على النجاة. وقد تكرر ذكر الكتاب في القرآن بمعنى سجل أعمال الإنسان التي يحاسب عليها يوم الجزاء، كقوله تعالى في سورة الإسراء: ﴿ وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا اقْرَأْ كِتَابَكَ ﴾ .   وقوله في سورة الانشقاق: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ﴾[5].   هاؤم: اسم فعل بمعنى خذوا، أو تعالوا. وهاؤم: كلمة وضعت لإجابة الداعي عند النشاط والفرح.   كتابيه: منصوب بهاؤم، أو باقرءوا، والأصل كتابي فجاءت الهاء للوقف ولتبين فتحة الياء، وكذلك في ((حسابيه وماليه وسلطانيه)) والأحسن الوقف على الآخر في القراءة، ليوافق اللغة في إلحاق الهاء في السكت، ويوافق الخط.   ﴿ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ* ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ * إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ...... ﴾.   ظننت: أيقنت وعلمت، وكل ظن في القرآن من المؤمن فهو يقين، ومن الكافر فهو شك، وقد أحسن المؤمن الظن بربه فأحسن العمل، وأساء المنافق الظن فأساء العمل.   أني ملاق حسابيه: أي في الآخرة، ولم أنكر البعث؛ فسبب نجاته خوفه من يوم الحساب ولذلك استعد للآخرة.   راضية: في عيش يسعده لا مكروه فيه، أو مرضية فاعل بمعنى مفعول.   عالية: عظيمة في النفوس.   قطوفها دانية: قريبة التناول. والقطوف جمع قطف بكسر القاف وهو ما يقطف من الثمار. والقطف بالفتح المصدر والقطاف بفتح القاف وكسرها وقت القطف. وكل هذا تمثيل لنعيم الجنة، الذي لا يخطر على قلب بشر، من الواقع الذي يعيشونه.   كلوا واشربوا: مقول القول، أي يقال لهم ذلك.   هنيئاً: لا تكدير فيه ولا تنغيص.   بما أسلفتم في الأيام الخالية: بما قدمتم من الأعمال الصالحة في الدنيا. وجاز الجمع في ((كلوا)) بعد الإفراد في ﴿ فأما من أوتي كتابه بيمينه ﴾ و﴿ فهو في عيشة راضية ﴾ لأن ((من)) يتضمن معنى الجمع، فكان الإفراد مراعاة للفظ، والجمع مراعاة للمعنى.   كانت القاضية: يتمنى الموت.   سلطانيه: سطوتي وقدرتي في الدنيا، أو حجتي.   فغلوه: قيدوه بالأغلال.   ثم الجحيم صلوه: اجعلوه يصلى الجحيم أي يحرق بنارها.   ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعاً: يراد بالعدد هنا التكثير كقوله تعالى: ﴿ إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ﴾ أما العدد في آيات التشريع كآيات الطلاق والعدة والمواريث فمعانيها محددة ومفهومها اللفظي مقصود.   فاسلكوه: تدخل عنقه ثم يجر بها، أو تدخل في دبره حتى تخرج من فيه.   ﴿ وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ * لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ * فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ*وَمَا لَا تُبْصِرُونَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ *وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ* وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ * تَنزيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾.   ولا يحض على طعام المسكين: عذب على الأمر بالبخل، فمن باب أولى العذاب على البخل نفسه وعلى الكفر. والحض: التحريض والحث، والمراد إطعام المسكين، فوضع الطعام مكان الإطعام كما يوضع العطاء موضع الإعطاء.   حميم: قريب يرق له ويدفع عنه، وهو مأخوذ من الحميم وهو الماء الحار، كأنه الصديق الذي يرق ويحترق قلبه له. والحميم أيضاً: الجمر يتبخر به، والقيظ، والمطر الذي يأتي بعد الحر.   غسلين: صديد أهل النار السائل من جروحهم، وهو كالزقوم والضريع وغيرهما من طعام أهل النار، لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى.   الخاطئون: المشركون.   فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون: بالأشياء كلها ما ترون منها وما لا ترون. لا زائدة أو هي لنفي القسم أي لا يحتاج الأمر إلى قسم لوضوح الحق فيه. وهو يرد على المتخرصين المتهمين الرسول بأنه ساحر مرة، وشاعر أخرى، وكاهن مرة ثالثة.   رسول كريم: جبريل عليه السلام، بدليل قوله تعالى:((إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين)) وقيل هو محمد صلى الله عليه وسلم، لقوله ((وما هو بقول شاعر)) وليس القرآن من قول الرسول إنما هو من قول الله عز وجل. ونسب القول إلى الرسول لأنه تاليه ومبلغه والعامل به.   وما هو بقول شاعر: لأنه مغاير لأنواع الشعر كلها.   ولا بقول كاهن: لأنه سب الشياطين، فلا يعقل أن ينزلوا على الكاهن كلاماً يسبهم به.   قليلاً ما تذكرون: قليلاً ما تؤمنون: القليل منهم هو أنهم إذا سئلوا عمن خلقهم قالوا: الله. أو أن القلة في معنى العدم وما زائدة لتأكيد المعنى.   تنزيل من رب العالمين: أي هو تنزيل، وهي معطوفة على ﴿ إنه لقول رسول كريم ﴾، والنزول والتنزيل تستعمل كثيراً مع القرآن وسوره وآياته: ﴿ نزل به الروح الأمين ﴾، ﴿ الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً ﴾، ﴿ وننزل من القرآن ما هو شفاء ﴾ وهذا الاستعمال يلائم اتصافه سبحانه بالعلو والرفعة. ورب الشيء: صاحبه ومربيه، ومنه قوله تعالى: ﴿ اذكرني عند ربك ﴾ وترد كثيراً مضافة: ﴿ رب السموات والأرض ﴾، ﴿ رب العرش العظيم ﴾، ﴿ وما ربك بظلام للعبيد ﴾ وقد تأتي دون إضافة ﴿ بلدة طيبة ورب غفور ﴾ ولم ترد معرفة بأل.   ورب العالمين: من أدق التعابير وأرقاها في الدلالة على مفهوم الإله الواحد في عقيدتنا السمحة.   ﴿ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ* لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ *وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ * وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ * وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ * وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ﴾.   تقول: تكلف وأتى بقول من قبل نفسه.   الأقاويل: جمع أقوال، وهذه جمع قول، وجمع الجمع هنا أضعف هذه الأقاويل المفترضة وجعلها كالأساطير مبنى ومعنى.. كالأضاحيك والأعاجيب.   باليمين: بالقوة والقدرة وعبر عنهما باليمين، لأن قوة كل شيء في ميامنه، وقيل بالحق.   الوتين: عرق يتعلق به القلب إذا انقطع مات صاحبه. والمراد لأهلكناه.   حاجزين: يحجزون عنه ويدفعون أي لا يمنعونه مما يراد به.   وإنه لتذكرة: القرآن كقوله تعالى: ﴿ فيه هدى للمتقين ﴾ وهم الخائفون الذين يخشون. ربهم وقيل محمد صلى الله عليه وسلم، لأنه تذكرة ورحمة ونجاة.   مكذبين: أي بالقرآن.   وإنه لحسرة: وإن التكذيب لندامة.   وإنه لحق اليقين: لعين اليقين وهو أنه تنزيل من الله عز وجل.   فسبح: فصل لربك ونزهه عن السوء والنقائص.   توطئة: جاء الإسلام لينشئ عقيدة جديدة تتناقض تناقضاً جذرياً مع المعتقدات الوثنية السائدة. ولم يكن إنشاء هذه العقيدة أمراً ميسوراً وإنما كان في غاية الصعوبة. وإذا أردنا أن ندرك هذه الصعوبة علينا أن نحاول انتزاع أنفسنا من واقعها إلى واقع هؤلاء الوثنيين الذين نظروا إلى فساد معتقداتهم نظرة عادية أليفة تراه الكمال كل الكمال! وترى كل ما عداه فاسداً وشاذاً ومستنكراً. وكما ننظر نحن الآن إلى إنسان وثني. كانوا ينظرون إلى من يدعو إلى عبادة إله واحد ونبذ الإشراك به.   وعندما نريد بيان صعوبة المهمة التي تكفل القرآن بحملها حينما أراد إرساء عقيدة الوحدانية في النفوس. يجب أن نتخيل عقول العرب وقد عشَّشت فيها العقائد الفاسدة وملأتها الأوهام الباطلة فأصموا آذانهم وعموا عن الحق الواضح المبين.   وإزاء هذا الوضع لم يكتف القرآن الكريم في دحض عقائدهم بالعقل والمنطق، لأن العقل البشري ليس إلا باباً واحداً من الأبواب العديدة إلى يمكن الوصول منها إلى تغيير النفس البشرية. ولذلك استعان بكل وسيلة تحركها وتساعد على إقناعها. من تنبيه للحواس وإثارة للوجدان، وتحريك للمشاعر.   وقد سحر القرآن العرب منذ اللحظة الأولى. وكان وراء إيمان كثير منهم يوم أن كان محمد صلى الله عليه وسلم وحيداً في مكة وقبل أن يكون للإسلام حول ولا طول بتأثير هذا السحر آمن الفاروق عمر وكاد يهدي الوليد بن المغيرة، لولا أن أعرض وأمعن في ضلاله ((إنه فكر وقدر، فقتل! كيف قدر؟ ثم قتل! كيف قدر؟ ثم نظر. ثم عبس وبسر. ثم أدبر واستكبر. فقال: إن هذا إلا سحر يؤثر)) متناسياً أن قوله هذا عن القرآن أدل على سحره وتأثيره من قول المؤمنين!   (ولا يقل عن ذلك دلالة على هذا السحر ما حكاه القرآن عن قول بعض الكفار ﴿ لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون ﴾ فإن هذا ليدل على الذعر الذي كان يضطرب في نفوسهم من تأثير هذا القرآن فيهم وفي أتباعهم. وهم يرون هؤلاء الأتباع يسحرون بين عشية وضحاها... ولم يقل رؤساء قريش لأتباعهم هذه المقالة وهم في نجوة من سحر القرآن؛ فلولا أنهم أحسوا في أعماقهم هزة روعتهم ما أمروا أتباعهم هذا الأمر، وما أشاعوا في قومهم هذا التحذير، الذي هو أدل من كل قول على عمق التأثير)[6].   وقد أجهد الباحثون أنفسهم قديماً وحديثاً لبيان منبع السحر في القرآن الكريم وبيان أوجه إعجازه التي آمن بها المصدقون؛ ولم يمارِ فيها المكذبون. ولكن يظل لأسلوب القرآن وطريقته في التعبير أثر بارز في هذا الإعجاز. ويظل جماله الفني عنصراً مستقلاً بجوهره، خالداً في القرآن بذاته.   والتصوير هو الأداة المفضلة في أسلوب القرآن فهو يعبر بالصورة المحسة المتخيلة عن المعنى الذهني والحالة النفسية. وعن الحادث المحسوس والمشهد المنظور. وعن النموذج الإنساني والطبيعة البشرية.   ثم يرتقي بالصورة التي يرسمها فيمنحها الحياة الشاخصة أو الحركة المتجددة. وأداة التصوير هي الألفاظ الجامدة لا ألوان المصورة ولا الشخوص المعبرة وهذا يزيدنا إعجاباً بروعة هذا الإعجاز....   ويجب أن نتوسع في معنى التصوير حتى ندرك آفاق التصوير الفني في القرآن فهو تصوير باللون وتصوير بالحركة وتصوير بالتخيل كما أنه تصوير بالنغمة تقوم مقام اللون في التمثيل. وكثيراً ما يشترك الوصف والحوار. وجرس الكلمات. ونغم العبارات. وموسيقا السياق. وفي إبراز صورة من الصور تتملّاها العين والأذن والحس والخيال والفكر والوجدان. وهو تصوير حي منتزع من عالم الأحياء لا ألوان مجردة وخطوط جامدة. تصوير تقاس الأبعاد فيه والمساحات بالمشاعر والوجدانات[7].   ونمضي مع الأستاذ سيد قطب ليبين لنا فضل طريقة التصوير على غيرها من الطرق التي تنقل المعاني والحالات النفسية في صورتها الذهنية التجريدية، وتنقل الحوادث والقصص أخباراً مروية، وتعبر عن المشاهد والمناظر تعبيراً لفظياً، لا تصويرياً تخييلياً - بقوله [8]: يكفي لبيان هذا الفضل أن نتصور هذه المعاني كلها في صورتها التجريدية وأن نتصورها بعد ذلك في الهيئة الأخرى التشخيصية: إن المعاني في الطريقة الأولى تخاطب الذهن والوعي، وتصل إليهما مجردة من ظلالها الجميلة. وفي الطريقة الثانية تخاطب الحس والوجدان.   وتصل إلى النفس من منافذ شتى: من الحواس بالتخييل ومن الحس عن طريق الحواس. ومن الوجدان المنفعل بالأصداء والأضواء.   ويكون الذهن منفذاً واحداً من منافذها الكثيرة إلى النفس. لا منفذها المفرد الوحيد. ولهذه الطريقة فضلها ولا شك في الدعوة لكل عقيدة.   ولكننا ننظر إليها هنا من الوجهة الفنية البحتة. وإن لها من هذه الوجهة لشأناً؛ فوظيفة الفن الأولى هي إثارة الانفعالات الواجدنية وإشاعة اللذة الفنية بهذه الإثارة وإجاشة الحياة الكاملة بهذه الانفعالات.   تغذية الخيال بالصور لتحقيق هذا جميعه...وكل أولئك تكلفه طريقة التصوير والتشخيص للفن الجميل.   من هذا المنطلق ستكون نظرتنا إلى الحاقة. حيث يتركز اهتمامنا على الأسلوب القرآني المعجز الذي يؤلف بين الغرض الديني والغرض الفني فيما يعرضه من الصور والمشاهد. ((بل يجعل الجمال الفني أداة مقصودة للتأثير الوجداني. فيخاطب حاسة الوجدان الدينية بلغة الجمال الفنية. والفن والدين صنوان في أعماق النفس وقرارة الحس. وإدراك الجمال الفني دليل استعداد لتلقي التأثير الديني. حين يرتفع الفن إلى هذا المستوى الرفيع. وحين تصفو النفس لتلقي رسالة الجمال))[9].   وإذن فالإعجاز الباهر للقرآن الكريم كما يعود إلى مضمونه يعود بنفس القدر إلى طريقة عرض هذا المضمون بوسيلته المفضلة وهو التصوير بمفهومه الشامل الذي أشرنا إليه.   عرض عام: سورة الحاقة من السور المكية التي نزلت - على أصح الأقوال - في العهد المكي قبل الهجرة[10]. وهناك فروق عديدة بين السور المكية والسور المدنية، يهمنا منها هنا ما يتصل بالأسلوب، ذلك أن الهدف من كل منهما قد حدد الأسلوب الذي يحققه. وهدف السور المكية هو إرساء دعائم العقيدة الجديدة، وترسيخها في النفس محل العقائد الوثنية الباطلة. والتركيز على أخطر قضيتين دهش لهما المشركون: قضية التوحيد ((أجعل الآلهة إلهاً واحداً؟ إن هذا لشيء عجاب!!)) وقضية السمعيات التي تشمل الأمور الغيبية: من بدء للخلق، ونهاية له، وبعث وحساب... إلخ. ولذلك وجدنا أسلوب السور المكية يميل غالباً إلى الإيجاز والتركيز والاتجاه إلى هدم عقائد المشركين الفاسدة وإزالة أنقاضها وتسوية الأرض لتشييد العقيدة الجديدة. وهو يواجه أفكاراً بأفكار، وعقيدة بعقيدة، ومفاهيم للحياة بمفاهيم أخرى جديدة.   والسور المكية بعد هذا منها سور يهدف أسلوبها إلى هز السامع وإثارة وجدانه وتحركه، وليتدبر ويفهم وينقاد. ويستعين الأسلوب لتحقيق ذلك بكل الإمكانات اللغوية من ألفاظ ذات جرس شديد أو صور رهيبة، أو إيقاع عنيف، وغير ذلك مما يوقظ العقل ويحرك القلب وهناك نوع آخر من هذه السور تميل إلى مجادلة المشركين وتفنيد دعاواهم الباطلة وتفصيل القصص لاستنباط العبرة. ولذلك اختلف أسلوبها عن النوع الأول الذي يشمل سورة الحاقة.   أما السور المدنية التي نزلت بعد أن عم نور الإسلام فقد كان هدفها أن تفصل الحديث عن علاقة المسلمين بعضهم ببعض وعلاقتهم بغيرهم، وترشدهم على العموم إلى كيفية إقامة المجتمع المسلم المبشر بانتشاره وسيادته. ولذلك اختلف أسلوبها اختلافاً يتفق واختلاف أهدافها عن السور المكية. وكان تركيزها على التشريعات الجديدة التي تضمن بناء الإنسان المسلم. وإقامة المجتمع المسلم.   هذه السورة تعد مثالاً رائعاً للسور المكية المتفقة معها في الهدف والأسلوب. فهي جميعاً تهدف إلى بيان جدية العقيدة الجديدة التي يحملها محمد صلى الله عليه وسلم، بحيث إنها لا تحتمل هذا العبث الصبياني من المشركين لأن الله سبحانه وتعالى قد أراد أن يتم البناء العقدي للبشرية. فيكمل محمد صلى الله عليه وسلم ما بدأه إخوانه من الرسل السابقين، ويختم رسالات السماء إلى الأرض.   ولذلك وجدنا التهديد والتعنيف يظللان جو السورة في البدء والختام ويمهدان لترسيخ العقيدة الجديدة. وإزالة الأوهام المعششة في عقول المشركين.   وقد وجدنا هذا كله يتضح من طريقة بدء السورة بالحديث عن النهاية بتلك الطريقة المدهشة: آيات قصيرة متدرجة، تبدأ بكلمة واحدة تحمل تسمية جديدة ليوم القيامة، وبعد أن تقرعهم السورة بهذا الحديث المركز، تعرج على مصارع المكذبين الذين حادوا عن الصواب وهزأوا برسل السماء إليهم. فتعرضها السورة عرضاً سريعاً قوياً. يشد الذهن إلى تذكر المصير الرهيب لمن يهزأ حيث لا مجال للهزء. ويكذب حيث يطلب منه التصديق والخضوع.   ثم تعود السورة مرة ثانية إلى الحديث عن النهاية. خلال قفزة واسعة من الماضي السحيق إلى المستقبل البعيد. وما فيه من نهاية رهيبة للكون. ومشهد جليل للحساب. فنظام الكون الرتيب يصيبه الاختلال، إذ تتفتت الأرض والجبال. وتنشق السماء وتنفرط نجومها، وتتجلى العظمة الإلهية مستوية على العرش الذي تحمله الملائكة , ((لمن الملك اليوم؟ لله الواحد القهار!)) ويكون الحساب لكل ما قدمت يد الإنسان، لا تخفى منه خافية. ويشهد على الناس ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم.   وهنا تبرز مسئولية الإنسان عن إعماله وضرورة استعداده لتحمل نتيجة هذه المسئولية.   وبعد الحساب نلمس ذلك التناقض في المصير بين المصدقين والمكذبين. وموجبات هذا المصير لكل منهما.   ثم تتعرض السورة لجلاء قضية الوحي. تقرير أنه من عند الله سبحانه تعالى. بيان سخافة الافتراءات التي ألصقوها بالرسول. ممهدة لذلك كله بقسم تخشع له النفوس تهتز له القلوب. ﴿ فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون. إنه لقول رسول كريم ﴾ ثم تنفي عنه صلى الله عليه وسلم صفة الكهانة والشعر وتؤكد هذا المعنى بطريقة تبين فظاعة افترائهم وشناعته. وتقرعهم غاية التقريع. عندما تفترض فرضاً يستحيل حدوثه، وترتب عليه جزاء خطيراً وعنيفاً ﴿ ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ﴾. فهم في النهاية هم المقصودون بهذا الأخذ الحاسم والتهديد الجازم، لأنهم هم المفترون وهم المكذبون.   ثم تختتم السورة بتقرير حاسم وجازم فيه القول الفصل في تلك القضايا.   أما وأن السورة الكريمة قد احتشدت لبيان خطورة العقيدة وجديتها وزلزلة هؤلاء المكذبين. واستنقاذهم من باطلهم الذي هم فيه يعمهون، وزجرهم بتجسيد المصير الفاجع الذي ينتظرهم في الآخرة. بعد أن علموا طرفاً منه مما لحق بأسلافهم الضالين، أما وأن السورة قد احتشدت لهذا كله فقد تكفل معجمها اللفظي وإيقاعها وأسلوبها وصورها في الإقناع بذلك كله.   المعجم اللفظي: تؤكد ألفاظ السورة منذ بدايتها جو الرهبة الذي أحاطت به المكذبين. فبدأت بتسمية غير مألوفة للقيامة ((الحاقة)) وهي في ذات الوقت موحية بضلالهم وتكذيبهم؛ فلأنهم مكذبون بالحق فسوف يصلَوْن الأمرَّين في ((الحاقة)) وجرس اللفظ يشعر بأننا أمام أمر واقع مطبق صارم: صخرة ضخمة تسَّاقط من علُ فوق رءوس المضلين .

المقالة السابقة
دلالة آيات البحر في القرآن على وحدانية الله تعالى
المقالة التالية
أختم أم أتدبر؟
التعليقات
هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

أضف تعليقك

المسجلين في الموقع فقط يمكنهم إضافة تعليقات. سجل الآن.