مقالات وبحوث مجلة كنوز الفرقان - ما يجب على كاتب المصحف وناشره

عبد الفتاح عبد الغني القاضي (ت 1403)

عدد الزيارات: 943
QR Code
0 0

هل يجب التزام الرسم العثماني في كتابة المصحف الشريف، أم يجوز أن يكتب بحسب القواعد العامة للإملاء؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال ثلاثة:

القول الأول: إنه لا يجب التزام الرسم العثماني، بل تجوز كتابة المصحف بحسب القواعد الإملائية. وممن أيَّد هذا القول وانتصر له: ابن خلدون، والقاضي أبو بكر الباقلاني وآخرون.

القول الثاني: إنه تجب كتابة المصحف لعامة الناس على القواعد الإملائية المعروفة لهم، ولا تجوز كتابته لهم بالرسم العثماني، وممن جنح إلى هذا صاحب البرهان وشيخ الإسلام العز بن عبد السلام.

القول الثالث: إنه يجب التزام الرسم العثماني في كتابة المصاحف، وإلى هذا ذهب جماهير العلماء من السلف والخلف.

أدلة القول الأول: استدل أصحاب هذا القول بأدلة ثلاثة؛ الأول: أن هذه الخطوط والرسوم ليست إلا علامات وأمارات، فكل رسم يدل على الكلمة، ويفيد وجه قراءتها، فهو رسم صحيح، وكاتبه مصيب.

 الثاني: أن كتابة المصحف على الرسم العثماني قد توقع الناس في الحيرة والالتباس، والمشقة والحرج، ولا تمكنهم من القراءة الصحيحة السليمة، فيُحرمون من الحصول على الثواب الموعود به على تلاوة القرآن الكريم، وربما يتعرّضون للعقوبة والإثم إذا قرؤوا قراءة غير صحيحة، فينبغي كتابة المصحف بحسب قواعد الإملاء الحديثة؛ تيسيرًا على الناس، ودفعًا للحرج والمشقة عنهم، وتمكينًا لهم من القراءة الصحيحة حتى يحصلوا على الأجر الموعود به على تلاوة القرآن الكريم.

 الثالث: ليس في الكتاب العزيز، ولا في السنة المطهرة، ولا في إجماع الأمة، ولا في قياس شرعى... ليس في شيء من ذلك ما يحتّم على من يريد كتابة مصحف أن يكتبه برسم معيّن، وكيفية مخصوصة، ولذلك لم يُروَ عن الرسول الأعظم أنه أمر أحدًا من كتاب الوحي أن يكتبه برسم خاص، ولا نهى أحدًا عن الكتابة بهيئة معينة.

        أدلة القول الثاني: واستدل أصحاب هذا القول بأن كتابة المصحف بالرسم العثماني يوقع الناس في المشقة والحرج. ويفضي بهم إلى التغيّر في كتاب الله تعالى بالزيادة فيه، أو النقص منه، قالوا: ومع هذا يجب الاحتفاظ بالرسم العثماني؛ لأنه من آثار سلفنا الصالح، فلا نتغاضى عنه بالكلية مراعاة لجهل الجهلاء، بل يبقى في أيدي العارفين الذين لا يخلو زمان من وجودهم، وتشرف الزمان بهم، قال صاحب التبيان: أما كتابة المصحف على ما أحدثه الناس من الهجاء، فقد جرى عليه أهل المشرق بناءً على كونها أبعد من اللبس، وتحاشاه أهل المغرب بناءً على قول الإمام مالك، وقد سئل: هل يُكتب المصحف على ما أحدث الناس من الهجاء؟ فقال: لا، إلا على الكتبة الأولى. قال في البرهان: قلت: وهذا كان في الصدر الأول، والعلم غض حي، وأما الآن فقد يُخشى الالتباس...

ولهذا قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: لا تجوز كتابة المصحف الآن على الرسم الأول باصطلاح الأئمة...؛ لئلا يوقع في تغير من الجهال، قال في البرهان: ولكن لا ينبغي إجراء هذا على إطلاقه؛ لئلا يؤدي إلى درس العلم، وشيء قد أحكمته القدماء لا يترك مراعاة لجهل الجاهلين، ولن تخلو الأرض من قائم لله بحجة ا.هـ.

        أدلة القول الثالث: استدل أصحاب هذا القول بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان له كُتّاب يكتبون الوحي، وقد كتبوا القرآن كله بهذا الرسم، وأقرأهم الرسول على كتابته، وانتقل الرسول إلى الرفيق الأعلى وقد كتب القرآن على هذه الكيفية المخصوصة، لم يحدث فيها تغيير ولا تبديل.. ثم تولّى الخلافة أبو بكر، فكتب القرآن كله في الصحف على هذه الهيئة، ثم جاء عثمان، فنسخ المصاحف العديدة من صحف أبي بكر، وكتبها كلها على هذا الرسم أيضًا. ووزّعها على الأمصار؛ لتكون إمامًا للمسلمين. ولم ينكر أحد من الصحابة على أبي بكر ولا على عثمان، بل ظهر كل منهما بإقرار جميع الصحابة لعملهما، ثم جاء عصر التابعين، وأتباع التابعين، والأئمة المجتهدين، ولم يثبت أن أحدًا منهم حدثته نفسه بتغيير رسم المصاحف، وكتابتها برسم آخر يساير الرسم المحدث، بل ظلّ هذا الرسم منظورًا إليه بعين التقديس والإكبار في سائر العصور المختلفة، والأزمان المتفاوتة، مع أنه قد وجد في تلك العصور المختلفة أناس يقرؤون القرآن ولا يحفظونه، وهم في الوقت نفسه لا يعرفون من الرسم إلا ما وُضعت قواعده في عصر التأليف والتدوين، وشاع استعمالها بين الناس في كتابة غير القرآن، ولم يكن وجود هذا الصنف من الناس مما يبعث الأئمة على تغيير رسم المصحف بما تقضى به تلك القواعد.

 وإذا كان هذا الرسم قد حظي بإقرار الرسول صلى الله عليه وسلم، وإجماع الصحابة، واتفاق التابعين وأتباعهم، والأئمة المجتهدين عليه، فلا يجوز العدول عنه إلى غيره، خصوصًا وأنه أحد الأركان التي تنبني عليها صحة القراءة، وإليك نصوص أئمة الدين وأعلام الإسلام في ذلك.

        روى السخاوى أن مالك بن أنس إمام دار الهجرة سُئل: أرأيتَ من استكتب مصحفًا، أرأيت أن يكتب على ما استحدثته الناس من الهجاء اليوم؟ فقال: لا أرى ذلك، ولكن يُكتب على الكتبة الأولى. قال السخاوى: والذي ذهب إليه مالك هو الحق؛ إذ فيه بقاء الحالة الأولى إلى أن تعلمها الطبقة الأخرى بعد الأخرى، ولا شك أن هذا هو الأحرى، إذ في خلاف ذلك تجهيل الناس بأولية ما في الطبقة الأولى اهـ.

        وقال أبو عمر الداني: لا مخالف لمالك من علماء هذه الأمة. وقال الداني أيضًا: سُئل مالك عن الحروف في القرآن مثل الواو والياء والألف، أترى أن يُغيّر من المصحف إذا وجد فيه شيء من ذلك؟ قال: لا. قال أبو عمرو: يعني الواو والياء والألف الزائدات في الرسم، المعدومات في اللفظ، نحو: "لا أذبحنه" "بأييد" و "أولوا" وهكذا. وقال الإمام أحمد بن حنبل: تحرم مخالفة خط مصحف عثمان في واو أو ألف أو ياء أو غير ذلك. وقال صاحب المدخل: ويتعين على كاتب المصحف أن يترك ما أحدثه بعض الناس في هذا الزمان من نسخ المصحف على غير المرسوم الذي اجتمعت عليه الأمة. وقال النيسابوري: وقال جماعة من الأئمة: إن الواجب على القراء والعلماء وأهل الكتاب أن يتبعوا هذا الرسم في خط المصحف، فإنه رسم  زيد بن ثابت، وكان أمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وكاتب وحيه.

وقال البيهقي في شعب الإيمان: مَن كتب مصحفًا ينبغي أن يحافظ على الهجاء الذي كتبوا به تلك المصاحف، ولا يخالفهم فيه، ولا يغيّر مما كتبوه شيئًا، فإنهم كانوا أكثر علمًا وأصدق قلبًا ولسانًا وأعظم أمانة منا، فلا ينبغي أن نظنّ بأنفسنا استدراكًا عليهم. ونقل الإمام الجعبري وغيره إجماع الأئمة الأربعة على وجوب اتباع رسم المصحف العثماني.

        والذي تطمئن إليه النفس، ويوحي به الدين، وتهدي إليه الأدلة هو القول الثالث؛ لأمور:

أولًا: أن ما أورد أصحاب هذا القول من نصوص علماء الإسلام ظاهر في وجوب التزام الرسم العثماني في كتابة المصاحف.

ثانيًا: أن قواعد الإملاء والهجاء الحديثة عرضة للتغيير والتنقيح في كل عصر وفي كل جيل، وحيطتنا للكتاب العزيز وتقديسنا له يضطرنا إلى أن نجعله بمنأى من هذه التغييرات في رسمه وكتابته.

ثالثًا: أن تغيير الرسم العثماني ربما يكون مدعاة- من قريب أو من بعيد- إلى التغيير في جوهر الألفاظ والكلمات القرآنية. وفي ذلك ما فيه من الفتنة الكبرى، والشر المستطير، وسدّ الذرائع مهما كانت بعيدة أصل من أصول الشريعة الإسلامية التي تُبنى عليها الأحكام، وما كان موقف الأئمة من الرسم العثماني إلا بدافع هذا الأصل العظيم مبالغة في حفظ القرآن الكريم، وصيانة له من العبث.

رابعًا: في هذا الرسم خصائص ومزايا كثيرة، وقد تكفّل علماء الرسم ببيانها، فارجع إليها إن شئت.

وأما ما يتعلّل به أصحاب الرأيين الأولين من أن كتابة المصاحف على الرسم العثماني توقع الناس في حيرة وارتباك وما قالوه فمردود بأن المصاحف في هذا العصر- خصوصًا المصحف الحكومي- قد ضُبطت بالشكل التام، وألفها الناس، ومرنوا على القراءة فيها من غير حرج ومشقة، ومن قرأ "التعريف بالمصحف الأميري" الموضوع في ذيله يستطيع أن يقرأ في المصحف بغاية اليسر والسهولة، وبناءً على هذا:

يجب على كاتب المصحف وناشره: أن يتحرى كتابته على قواعد الرسم العثماني، ولا يخلّ بشيء منها بزيادة أو نقص، أو إثبات أو حذف؛ صيانة للقرآن الكريم من عبث العابثين، واقتداءً بالصحابة والتابعين، والأئمة المجتهدين، وأعلام الإسلام في سائر الأعصار والأمصار، لا فرق في ذلك بين المصاحف الكاملة، والصحف الصغيرة "الأجزاء" التي يتعلم فيها الصغار ومن في حكمهم من الكبار، ليتمرّنوا على قواعد هذا الرسم منذ نعومة أظفارهم، وعلى معلمي القرآن حيثما كانوا ألا يدّخروا وسعًا في تعليم أبنائهم تلك القواعد من الصغر؛ حتى يشبوا وقد وقفوا عليها، وأحاطوا بها خبرًا، وأصبحت القراءة في المصحف سجية لهم، وميسورة عليهم، ويجب على كاتب المصحف أيضًا أن يرسم الكلمات رسمًا يوافق الرواية التي يُكتب المصحف عليها ولو احتمالًا، فيرسم "وسارعوا" بإثبات الواو، وإذا كان يكتب على رواية حفص مثلًا ويرسم "مالك يوم الدين" على رواية حفص أيضًا بحذف الأول؛ لأن رسمه كذلك يوافق رواية حفص احتمالًا، فيمتنع رسم الكلمات بما لا يوافق الرواية لا صراحة ولا احتمالًا، فتأمل.

ويستحب من كاتب المصحف- وكذا من ناشره- أن يجتهد في تحسين كتابته وإيضاحها، وتبيين حروفه وتجويدها، وأن يكتبه في حجم كبير؛ احترامًا للقرآن الكريم، وتعظيمًا لشأنه، ولذلك ورد أن عمر بن الخطاب وجد مع رجل مصحفًا قد كتبه بخط دقيق فكره ذلك عمر، وضرب الرجل وقال له: عظِّموا كتاب الله.

وتجوز كتابة المصحف بالذهب، وقد استحسن هذا الإمام الغزالي، ولكن ورد عن ابن عباس وأبي ذر وأبي الدرداء أنهم كرهوا ذلك، وقد مرّ على ابن مسعود رجل يحمل مصحفًا قد زُيّن بالذهب فقال ابن مسعود: إن أحسن ما زُيّن به المصحف تلاوته بالحق، ويجوز نقط المصحف وشكله.

وقد كرهه جماعة من السلف، ورُوي عن الإمام مالك أنه أباح نقط المصحف وشكله في مصاحف الصغار ومن في حكمهم من الكبار، ومنع ذلك في الأمهات أي: المصاحف الكاملة. وعن الحسن وابن سيرين أنهما قالا: لا بأس بنقط المصحف، وعن ربيعة ابن أبي عبد الرحمن أنه قال: لا بأس بشكل المصحف. وقال الإمام النووي من كبار علماء الشافعية: نقط المصحف وشكله مستحب؛ لأن ذلك صيانة له من اللحن والتحريف. وقال الإمام الداني في كتاب النقط: "والناس في جميع أمصار المسلمين من لدن التابعين إلى وقتنا هذا على الترخّص في ذلك. أي: في نقط المصحف وشكله في الأمهات وغيرها ولا يرون بأسًا برسم فواتح السور، وعدد آياتها ورسم الخموس والعشور في مواضعها، والخطأ مرتفع عن إجماعهم ا.هـ.

 والذي أراه أن نقط المصحف وشكله شكلًا كاملًا واجب في هذا الزمن؛ لتيسير قراءة القرآن على سائر الناس، وللمبالغة في صيانته من اللحن والتحريف، وتجوز كتابة أسماء السورة وعدد آيها، وبيان كون السورة مكية أو مدنية، من غير تعرض لذكر المستثنات؛ لعدم الاتفاق عليها، كما تجوز كتابة علامات الأجزاء والأحزاب والأرباع والسجدات، وعلامات الوقوف وأرقام الآيات وعلامات فواتح السور وخواتيمها، وقد كره ذلك كله جماعة من السلف؛ لقول ابن مسعود: جرِّدوا القرآن، ولا تخلطوا به ما ليس منه ا.هـ.

        والذي أراه أن ذلك كله لا بأس به، وإليه جنح جماهير العلماء من السلف والخلف كما تقدم عن الداني.

 ويجوز تحلية المصحف بالفضة؛ إكرامًا له على الصحيح؛ فقد أخرج البيهقي عن الوليد بن مسلم قال: سألت مالكًا عن تفضيض المصحف، فأخرج إلينا مصحفًا فقال: حدّثني أبي عن جدي أنهم جمعوا القرآن في عهد عثمان رضي الله عنه، وأنهم فضضوا المصاحف على هذا ونحوه، وأما بالذهب فالأصح جوازه للمرأة دون الرجل. وخصّ بعضهم الجواز بنفس المصحف دون غلافه المنفصل عنه، والأظهر التسوية، والله أعلم.

 



[1]) شيخ معهد القراءات.

 

المقالة السابقة
لا تعارض في آيات الكتاب الكريم
المقالة التالية
جمع القرآن في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه
التعليقات
هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

أضف تعليقك

المسجلين في الموقع فقط يمكنهم إضافة تعليقات. سجل الآن.