مقالات وبحوث مجلة كنوز الفرقان - تفسير القرآن الكريم (سورة الواقعة)

الأستاذ الشيخ عبد الرحيم فرغل البليني

عدد الزيارات: 1,356
QR Code
0 0

لفضيلة الأستاذ الشيخ عبد الرحيم فرغل البليني([1])

ـــــــــــــــــــــــــــ

بيان وجه مناسبتها لسورة الرحمن

ذُكر في سورة الرحمن تعداد النعم على الثقلين، ومطالبتهم بشكرها، وتأنيبهم على جحودها، ثم ذكر فيها جزاء الشاكرين الخائفين، وجزاء الخائنين المجرمين.

وذُكر في هذه السورة السابقون وجزاؤهم، وأصحاب الميمنة وجزاؤهم، وأصحاب المشأمة وجزاؤهم، فكانت هذه شبيهة بتلك فذُكرت معها. ولما انفردت سورة الرحمن بذكر النعم وتعدادها كانت كالمقدمة لهذه، فجاءت هذه بعدها.

بيان مكان نزولها وعدد آياتها

هي سورة مكية بلا استثناء، وآياتها ست وتسعون على المشهور في الأمرين. قال مسروق: مَن أراد أن يعلم نبأ الأولين والآخرين، ونبأ أهل الآخرة، فليقرأ سورة الواقعة.

وذكر الثعلبي أن سيدنا عثمان رضي الله عنه دخل على ابن مسعود يعوده في مرضه الذي مات فيه فقال: ما تشتكي؟ قال: ذنوبي. قال: فما تشتهي؟ قال: رحمة ربي. قال: أفلا ندعو لك طبيبًا؟ قال: الطبيب أمرضني. قال: أفلا نأمر لك بعطائك؟ قال: لا حاجة لي فيه، حبسته لي في حياتي، وتدفعه لي عند مماتي! قال: يكون لبناتك بعدك. قال: أتخشى على بناتي الفاقة من بعدي؟ إني أمرتهن أن يقرأن سورة الواقعة كل ليلة، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من قرأ سورة الواقعة كل ليلةلم تصبه فاقة أبدًا)).

وأخرج ابن مردويه، عن أنس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((سورة الواقعة سورة الغنى، فاقرؤوها وعلّموها أولادكم)).

وأخرج الديلمي عنه مرفوعًا: ((وعلموا نساءكم سورة الواقعة، فإنها سورة الغنى)).

بيان ما تشتمل عليه سورة الواقعة  إجمالًا:

        ذُكر في هذه السورة خبر القيامة، وأنها إذا حدثت لا يجرؤ أحد على التكذيب بها، لأنه شاهدها عيانًا، ويبتدئ هذا من أولها، وينتهي بقوله تعالى: "فكانت هباء منبثا"([2]).

ثم ذُكر فيها تقسيم الناس يوم القيامة إلى ثلاثة أقسام، وجزاء كل قسم منهم. فذكر فيها أصحاب الميمنة وجزاؤهم، وأصحاب المشأمة وجزاؤهم. والسابقون ودرجاتهم. وهذا القسم يبتدئ من قوله تعالى: "وكنتم أزواجا ثلاثة"([3]) وينتهي بقوله: "أئنا لمبعوثون أو آباؤنا الأولون"([4]).

ولما كان من سيئات أصحاب المشأمة إنكار البعث والحشر، أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يخبر هؤلاء المنكرين ردّ إنكارهم بأنه سيجمع الأولين والآخرين إلى ميقات يوم معلوم. ثم أقام الأدلة على قدرته تعالى على البعث ابتداءً من قوله تعالى: "نحن خلقناكم فلولا تصدقون"([5]) إلى قوله تعالى: "نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين"([6])، فذكر جل وعلا أنه قادر على إعادتهم كما بدأهم، حيث قال: "نحن خلقناكم فلولا تصدقون" يعني: فهلا تذكرون أن مَن قدر عليها، فهو على النشأة الأخرى أقدر.

وذكر إنباته النبات في قوله: "أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون"([7]) وإنزال الماء من المزن في قوله: "أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون"([8])، وإنشاء الشجرة التي يقدحون النار منها في قوله: "أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون"([9]).

كل ذلك ليشعر المخاطبين بقدرته التي لا يعجزها شيء، وأن البعث من ضمن مقدوراته، وأنه هين عليه.

ثم أمر نبيَّه صلى الله عليه وسلم بعد ذلك بالتسبيح فقال: "فسبح باسم ربك العظيم"([10])، تنزيهًا لساحة الإله عما يصفه بها الجاحدون لوحدانيته، الكافرون بنعمته، وإيذانًا بأنه مُنزّه عن العجز، مبرّأ عن النقص، وأن من كان هذا شأنه كان البعث وغيره عنده ميسورًا.

ثم أتبع كل ما ذكر بالقسم على حقيقة القرآن وصحّته، وصدق كل ما جاء به من الأخبار والأنباء. وهذا القسم يبتدئ من قوله تعالى: "فلا أقسم بمواقع النجوم"([11])، وينتهي بقوله تعالى: "تنزيل من رب العالمين"([12]).

ثم ذكر أنه المنفرد بإخراج روح العبد، دون أن يقدر أحد على إرجاعها إلى الجسد بعد انتزاعها، وأنه بعد إخراجها يجازي صاحبها بالخير خيرًا، وبالشر شرًّا، فيجعل المقرّبين في روح وريحان؛ ويجعل أصحاب اليمين في أمن وسلام، ويجعل المكذّبين في عذاب النيران.

كل ذلك لتستشعر النفوس الخوف من الله عز وجل؛ فتزداد الصالحة صلاحًا، وتقلع الفاجرة عن الضلال والغي. ثم ختم السورة بأنه ما جاء فيها هو حق اليقين، وأن منزلها يستحق التنزيه والتقديس.

فأنت ترى أن السورة لم تخرج عن الإخبار عن البعث وذكر الجزاء بعد البعث، وإقامة الأدلة من المشاهدات على القدرة على البعث؛ لأنها سورة مكية نزلت بين قوم لا يعترفون بالقيامة، ولا يقولون بالآخرة، ولا يصفون الإله بالقدرة الكاملة، ولا ينزّهونه عن الشريك، فسبحان من هذا كلامه.

بسم الله الرحمن الرحيم. قال الله تعالى: "إِذَا وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ، لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ، خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ، إِذَا رُجَّتْ الأَرْضُ رَجّاً، وَبُسَّتْ الْجِبَالُ بَسّاً، فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثّاً"([13]).

الشرح والبيان

(وقعت) حدثت. (الواقعة) صفة لمحذوف، تقديره: إذا وقعت القيامة الواقعة.

وكلمة (الواقعة) تفيد الوقوع بالفعل، فيكون محصل الكلام: إذا وقعت القيامة التي وقعت. وهذا – بحسب الظاهر- تحصيل حاصل.

وأجابوا عنه بأن التعبير (بالواقعة) تفيد حصول الوقوع بالفعل عما سيقع في المستقبل؛ للإيذان بأن وقوعها سيتحقق لا محالة حتى لكأنها واقعة بالفعل. ا.هـ خطيب. وكلمة (إذا) ظرف يحتاج إلى جواب. وجوابه قوله: "ليس لوقعتها كاذبة".

و(كاذبة) صفة لموصوف محذوف، أي نفس كاذبة، بمعنى مكذِّبة. و(اللام) في "لوقعتها" بمعنى في، وبعدها مضاف محذوف، أي: ليس في وقت وقعتها.

وتقدير الكلام: إذا وقعت القيامة الواقعة ليس في وقت وقعتها نفس مكذّبة، أي لا ينكر وقوعها أحد بعد حصوله. ثم شرع سبحانه وتعالى يبيّن ما يكون يوم القيامة من خفض الأشقياء ورفع السعداء فقال: "خافضة رافعة".

وتقدير هذه  الجملة: هي – أي: القيامة- خافضة رافعة، أي: خافضة لأقوام رافعة لآخرين. وعلى هذا قول سيدنا عمر رضي الله عنه: خفضت أعداء الله إلى النار، ورفعت أولياءه إلى الجنة. وإسناد الخفض والرفع إليها باعتبار ظهوره يومها، فهو إسناد إلى السبب العادي مجازًا، وإلا فالخافض والرافع هو الله تعالى.

"إذا رجت الأرض رجا وبست الجبال بسا... إلخ".

(إذا) ظرف لوقعت. (رجت الأرض) حُرّكت تحريكًا شديدًا، بحيث ينهدم ما فوقها من جبل وبناء. (بست الجبال) فُتّتت تفتيتًا قويًّا حتى صارت كالدقيق الملتوت بالماء. و(الهباء المنبث) الغبار المتفرق.

بيان المعنى الإجمالي

(المعنى) إذا حدثت القيامة التي لا بد من وقوعها، وقت تحريك الأرض تحريكًا شديدًا، وتفتيت الجبال تفتيتًا قويًّا حتى تصير غبارًا متفرّقًا، لا يوجد وقت حصولها نفس تكذب بها، بل يعترف بها كل أحد، ولا يتمكن أحد من إنكارها، ويبطل عناد المعاندين، وجحود الجاحدين؛ لأن الخبر صار عيانًا، والمسموع مشاهَدًا، وهي تخفض الكافرين إلى أسفل الدركات، وترفع المؤمنين إلى أعلى الدرجات.

فمن عكف على إنكاره وضلاله ذاق النكال في ذلك اليوم المهول، ومن قوي في إيمانه ويقينه كان يومئذ رفيع الدرجة مع الأبرار الأخيار. والله أعلم.

ثم قال الله تعالى: " وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاثَةً، فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ، وَأَصْحَابُ الْمَشْئَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْئَمَةِ، وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ، أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ، فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ"([14]).

الشرح والبيان

"كنتم" صرتم. "أزواجًا ثلاثة" أصنافًا ثلاثة. والخطاب للخلائق بأسرهم، قسَّمهم في القيامة ثلاثة أصناف: اثنان في الجنة، وهم أصحاب الميمنة والسابقون. وواحد في النار، وهم أصحاب المشأمة. وقد بيَّن هذه الأصناف مع شرح أحوالهم إجمالًا بقوله – جل وعلا -: "فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة... إلخ"([15]).

ثم بيَّن أحوالهم تفصيلًا بقوله : "أولئك المقربون"([16]) إلخ، وقوله "وأصحاب اليمين"([17]) الخ وقوله: "وأصحاب الشمال"([18]) الخ. وسنبين ذلك فنقول:

 قوله: "فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة" مبتدأ وخبر، والاستفهام بكلمة (ما)؛ لتعظيم حالهم، وتعجب السامع منها. أي: ما حالهم، وأي شيء صفتهم يوم القيامة.. إنها حال في غاية الفخامة، وصفة في نهاية العظمة، تستدعي العجب، وتستوجب الغرابة.

كيف لا، وهم في النعيم يسرحون، وفي الفراديس يمرحون، وبالدرجات العلا يفرحون؟

وإن من كان شأنهم هذا كانت حالهم عجيبة، وصفتهم غريبة.. فالمقصود من قوله تعالى: "ما أصحاب الميمنة" تفخيم شأنهم، والتعجب من حالهم، كأنه يقول: فأصحاب الميمنة في حالة هي غاية في الحسن تبعث على العجب والغرابة.

و"أصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة" أي: ما حالهم وما شأنهم، إنها حال في نهاية الفظاعة، وشأن في غاية الوخامة، تستدعي العجب وتوحي بالاستغراب. كيف لا وهم في الجحيم مقيمون، وفي أسفل الدركات نازلون، وبالنيران يكتوون؟

وإن من كان شأنهم هذا، كانت حالتهم في غاية الفظاعة، ونهاية الذلة تستدعي العجب والغرابة.

 وقد اختلف المفسرون في بيان الفرقين:

فقيل: أصحاب الميمنة أصحاب المنزلة السنية، وأصحاب المشأمة هم أصحاب المنزلة الدنية. وقيل: هم الذين يُؤتَون كتبهم بأيمانهم، والذين يُؤتونها بشمائلهم. وقيل: هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، والذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار. وقيل: هم أصحاب اليمن وأصحاب الشؤم؛ لأن السعداء ميامين على أنفسهم بطاعتهم، والأشقياء مشائيم عليها بعصيانهم.

"والسابقون السابقون"([19]).

هذا هو الوصف الثالث من الأزواج الثلاثة. ولعل تأخيرهم في الذكر مع كونهم أسبق الأصناف وأقدمهم في الفضل ما يقترن ذكرهم بما ذُكر بعد من محاسن أحوالهم.

وقد اختلف المفسرون في تعيينهم فقيل: هم الذين سبقوا إلى الإيمان والطاعة عند ظهور الحق من غير توانٍ وتلعثم.

وقيل: هم الذين سبقوا في حيازة الفضائل والكمالات. وقيل: هم المسارعون في الخيرات. وقيل: هم السابقون إلى التوبة وأعمال البر.

وفي البحر: ورد في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل عن السابقين فقال: ((هم الذين إذا أعطوا الحق قبلوه، وإذا سُئلوه بذلوه، وحكموا على الناس كحكمهم لأنفسهم)).

وقيل: الناس ثلاثة: فرجل ابتكر الخير في حداثة سنّه، ثم دام عليه حتى خرج من الدنيا، فهذا هو السابق، ورجل ابتكر عمره بالذنب وطول الغفلة، ثم تراجع بتوبته، فهذا هو صاحب اليمين، ورجل ابتكر الشر في حداثة سنه، ثم لم يزل عليه حتى خرج من الدنيا، فهذا هو صاحب الشمال.

وعن ابن كيسان: إن السابقين هم المسارعون إلى كل ما دعا الله تعالى إليه. ورجّح هذا القول الأخير بعض العلماء؛ لعمومه، وجعل كل ما عداه من الأقوال من باب التمثيل.

وأيًّا ما كان، فالجملة مبتدأ وخبر، والتكرار الذي فيها لتفخيم شأنهم، والإيذان بشيوع فضلهم، كما يقول القائل: شعري شعري، أي: شعري الشاعر العظيم الذين شاع وذاع. فمعنى الجملة – بناءً على هذا-: والسابقون هم الذين اشتهرت أحوالهم في المسارعة إلى كل ما دعا الله إليه، وعُرفت محاسنهم في السبق إلى كل ما حثّ الدين عليه.

وقوله: "أولئك المقربون"([20]) الإشارة فيه إلى (السابقين)، وهو استئناف واقع جوابًا عن سؤال مقدّر كأن سائلًا. قال: ما حال هؤلاء السابقين عند الله تعالى؟ فقيل: إنهم مقربون عنده حال كونهم كائنين "في جنات النعيم" يتمتعون بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

وإنما أشار إليهم بكلمة (أولئك) التي يُشار بها للبعيد مع قرب العهد بهم؛ لبعد منزلتهم في الفضل والشرف.

        و(المقربون) مأخوذ من القرية بمعنى الحظوة. كأنه قيل: أولئك القوم الموصوفون بالسبق إلى كل ما دعا الله إليه هم الذين أنيلو حظوة عند الله ومكانة لديه.

وفي قوله: " في جنات النعيم" إشارة إلى أن قربهم من الله محض لذة وراحة، لا كقرب خواص الملك القائمين بأشغاله عنده، فإنه قرب غير متمحض للذة والراحة. ولذا قيل: "في جنات النعيم" ورحبات الخلود ا.هـ آلوسي.

ثم قال تعالى: " ثُلَّةٌ مِنْ الأَوَّلِينَ، وَقَلِيلٌ مِنْ الآخِرِينَ، عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ، مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ، يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ، بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ، لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزِفُونَ، وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ، وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ، وَحُورٌ عِينٌ، كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ، جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلا تَأْثِيماً، إِلاَّ قِيلاً سَلاماً سَلاماً"([21]).

الشرح والبيان

" ثلة من الأولين وقليل من الآخرين" و(الثلة): الجماعة الكثيرة. (من الأولين): من الناس المتقدّمين من لدن آدم إلى نبينا عليه الصلاة والسلام. (وقليل من الآخرين): هم الناس من لدن نبينا عليه الصلاة والسلام إلى قيام الساعة.

وقوله تعالى: "ثلة من الأولين" إلخ خبره ضمير محذوف يعود على السابقين المتقدمين.

والتقدير: هم. أي: السابقون المتقدمون، المسارعون إلى الإيمان والطاعة عند ظهور الحق من غير توانٍ، جماعة كثيرة من الناس المتقدّمين من لدن آدم إلى نبينا عليه الصلاة والسلام، وقليل من الناس الآخرين، من لدن نبينا عليه الصلاة والسلام إلى قيام الساعة.

فتحصل أن السابقين المذكورين في قوله تعالى: "والسابقون السابقون" منهم جماعة كثيرة من المؤمنين بالأنبياء السابقين، وجماعة قليلة من المؤمنين برسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولا يخالف هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن أمتي يكثرون سائر الأمم يوم القيامة)) أي: يغلبونهم في الكثرة؛ لأن أكثرية السابقين من المتقدمين لا تمنع أكثيرة التابعين من الأمة المحمدية، فمجموع هذه الأمة أكثر في الجنة من مجموع الأمم المتقدمة.

"على سرر موضونة متكئين عليها متقابلين" ... إلخ بيَّن الله في هذه الآية وفيما بعدها صنوف النعيم الذي أعدّه الله في الجنة لهؤلاء السابقين، جزاء مسارعتهم إلى الإيمان والطاعة، ومبادرتهم إلى اعتناق الحق من غير توانٍ.

وقوله: "على سرر موضونة" خبر آخر للضمير المحذوف، والتقدير: هم على سرر. و(السرر): جمع سرير. وهو ما يُجعل للإنسان من المقاعد العالية الموضوعة للراحة والكرامة. و(الموضوعة): المنسوجة بالذهب. وقيل: المشبكة بالدر والياقوت. والوضن بالسكون: هو النسج المضاعف."متكئين عليها متقابلين" مضطجعين على السرر لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض.

و(المعنى) هم، أي: السابقون في الجنة كائنون فوق سرر منسوجة بالذهب حال كونهم مضطجعين عليها اضطجاع عزّ وكرامة، وحال كونهم متقابلين لا ينظر أحدهم في قفا صاحبه، وهو وصف لهم بالعزة والكرامة، وتهذيب الأخلاق ورعاية الآداب، وصفاء النفوس والقلوب. ا هـ.

"يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب وأباريق وكأس من معين. لا يصدعون عنها ولا ينزفون".

"يطوف عليهم": يدور عليهم للخدمة. "ولدان مخلدون": غلمان لا يهرمون ولا يتغيرون، قد خلقهم الله ابتداءً في الجنة كالحور العين، وليسوا من أولاد الدنيا.

فالمراد بخلودهم: تغيّرهم عن حالة الولدان من الطراوة وحسن القدّ. وبهذا سقط ما يقال: إن أهل الجنة كلهم مخلّدون، فلم يُنصّ على الخلود هنا؟ وحاصل الجواب: إن المراد بخلودهم ما ذكرناه، والمراد بخلود أهل الجنة عدم الفناء.

(بأكواب): جمع كوب، وهي الأقداح التي لا عرا لها ولا خراطيم، (العرى هي ما يمسك بها، المسماة بالآذان، والخراطيم، وما يصب منها المسماة بالبزابيز) ا .هـ جمل.

و(أباريق): جمع إبريق، هي آنية لها عرى وخراطيم، وهي والأكواب من أواني الخمر. و(كأس) الكأس إناء شرب الخمر، ولا يقال له كأس إلا إذا كان الشراب فيه.

وقوله "من معين": بيان لما في الأكواب والأباريق والكأس- على القول الراجح- أي الكل من خمر منبع لا ينقطع أبدًا.

"لا يصدعون عنها ولا ينزفون": بكسر الزاي وفتحها، أي: لا يصدر عنها صداعهم، ولا تذهب بالسكر منها عقولهم، كما هو الحال في خمر الدنيا، فإنها تورث الصداع، وتذهب العقول.

"وفاكهة مما يتخيرون ولحم طير مما يشتهون" كلمة (فاكهة) وكلمة (لحم) معطوفتان على كلمة (أكواب) في قوله تعالى: " ويطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب".

فتفيد الآية أن الولدان يطوفون على أهل الجنة بالفاكهة واللحم أيضًا كما يطوفون عليهم بالأكواب والأباريق والكأس.

وقد استشكل هذا بأنه قد جاء في الآثار أن فاكهة أهل الجنة وثمارها ينالها القائم والقاعد والنائم، وأن الرجل يشتهي الطير من طيور الجنة فيقع في يده مقليًا نضجًا.

وإذا كان الأمر كذلك استغنى عن طواف الولدان بالفاكهة واللحم. وأجيب بأن الطواف- والله أعلم- يكون حالة الاجتماع والشرب في الجنة زيادة في الإكرام وإمعانًا في التعظيم، كما يناول أحد الجلساء على خوان الآخر بعض ما عليه من الفواكه واللحوم ونحو ذلك، وإن كان ذلك قريبًا منه اعتناءً بشأنه، وإظهارًا لمحبته والاحتفاء به. ا هـ آلوسي.

"مما يتخيرون" مما يأخذون خيره وفضله، والمراد مما يرضونه "مما يشتهون" مما تميل إليه نفوسهم وترغب فيه.

وتقديم الفاكهة على اللحم؛ للإشارة إلى أن أهل الجنة ليسوا بحالة تقتضي تقديم اللحم، كما في الجائع، فإن حاجته إلى اللحم أشد من حاجته إلى الفاكهة واختيارها كما في الشبعان، فإنه إلى الفاكهة أميل منه إلى اللحم.

وإنما قال في جانب الفاكهة: "يتخيرون" وفي جانب لحم الطير "يشتهون"؛ لكثرة أنواع الفاكهة واختلاف طعومها وألوانها وأشكالها، وعدم كون لحم الطير كذلك. وفي التعبير بقوله: "يتخيرون" دون يختارون، وإن تقاربا معنى إشارة إلى التعمق في الاختيار والتمعن فيه، حتى يأخذوا منها ما يكون في نهاية الكمال.

"وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون"

تقدير هذه الآية: ولهم حور عين، و(الحور) النساء الشديدات البياض في الأجساد، جمع "حوراء". و(العين) شديدات سواد العين مع سعتها، جمع عيناء" ا.هـ جمل.

وقيل: (الحور) شديدات سواد العيون وبياضها، و(العين) ضخام العيون. ا.هـ جلال الدين السيوطي. "كأمثال اللؤلؤ المكنون" أي: كاللؤلؤ المستور في الأصداف، المصون الذي لا تمسه الأيدي، ولم تقع عليه الشمس والهواء، فيكون في نهاية الصفاء.

وقد جاء في الحديث وصف الحور: "صفاؤهن كصفاء الدر الذي لا تمسه الأيدي".

"جزاء بما كانوا يعملون"

تقدير هذه الجملة: يُعطون ذلك كله للجزاء بأعمالهم.

"لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما"

        (اللغو): ما لا يُعتد به من الكلام، وهو الذي يرد لا عن روية وفكر، وقد يسمى كل كلام قبيح لغوًا. و(التأثيم): الكذب والباطل و(إلا) بمعنى: لكن. و(قيلا): قولًا. (سلاما سلاما) بدل من (قيلا).

 فصار تقدير الجملة: لا يسمعون في الجنة لغوًا، لكن يقولون قولًا سلامًا سلامًا. أي: يحيي بعضهم بعضًا بالسلام، والتكرار في لفظ (سلامًا)؛ للدلالة على فشو السلام وكثرته فيما بينهم؛ لأن المراد أنهم يقولون: سلامًا بعد سلام. ا.هـ قرطبي.

بيان المعنى الإجمالي

        (المعنى): يدور على السابقين إلى الإيمان والطاعة عند ظهور الحق في الجنة غلمان لا يهرمون ولا يتغيّرون، قد خلقهم الله فيها ابتداءً كما خلق الحور العين، وأعدهم لخدمة أهلها زيادة في تكريمهم، وإعلاء شأنهم، ورفع منزلتهم.

يدورون عليهم بأقداح وأباريق وكأس كلها ممتلئة من خمر منبع فوار في الجنة لا ينقطع أبدًا. ثم وصف تلك الخمر بأنها لا تورث الصداع، ولا تستر العقول كخمر الدنيا.

ويدورون عليهم أيضًا بفاكهة يتخيرون أفضلها وأكملها ولحم طير تشتهيه نفوسهم وترغب فيه، ولهم في الجنة حور شديدات بياض الأجساد، شديدات سواد العيون مع سعتها كأمثال اللؤلؤ المستور في الأصداف الذي لم تمسسه الأيدي، ولم تغيّره شمس ولا هواء.

وهذا كله جزاء لهم على ما قدّموا من صالح الأعمال، وجميل الفعال في الحياة الأولى. ثم أكمل لهم النعمة، فأخبر – جل وعلا- أنهم في الجنة لا يتكدّرون بسماع الكلام القبيح، والكذب والباطل، بل يحيون بعضهم بالسلام بعد السلام. والله أعلم.

عبدالرحيم فرغل البليني

 



[1])  أستاذ بكلية الشريعة.

[2])  الواقعة 6.

[3])  الواقعة 7.

[4])  الواقعة 47- 48.

[5])  الواقعة 57.

[6])  الواقعة 73.

[7])  الواقعة 64.

[8])  الواقعة 69.

[9])  الواقعة 72.

[10]) الواقعة 74.

[11]) الواقعة 75.

[12]) الواقعة 80.

[13]) الواقعة 1- 6.

[14]) الواقعة 7- 12.

[15]) الواقعة 8.

[16]) الواقعة 11.

[17]) الواقعة 27.

[18]) الواقعة 41.

[19]) الواقعة 10.

[20]) الواقعة 11.

[21]) الواقعة 13- 26.

 

المقالة السابقة
ما يجب على كاتب المصحف وناشره
المقالة التالية
جمع القرآن الكريم وتدوينه في عهد عثمان رضي الله عنه وسببه
التعليقات
هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

أضف تعليقك

المسجلين في الموقع فقط يمكنهم إضافة تعليقات. سجل الآن.