مقالات وبحوث مجلة كنوز الفرقان - ما يجب على كاتب المصحف وناشره

عبد الفتاح عبد الغني القاضي (ت 1403)

عدد الزيارات: 1,055
QR Code
0 0

 

بقلم فضيلة الشيخ عبد الفتاح القاضي([1])

ــــــــــــــــــــ

تمهيد

هل يجب التزام الرسم العثماني في كتابة المصحف الشريف، أم يجوز أن يكتب بحسب القواعد العامة للإملاء؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال ثلاثة:

القول الأول: إنه لا يجب التزام الرسم العثماني، بل تجوز كتابة المصحف بحسب القواعد الإملائية. وممن أيَّد هذا القول وانتصر له: ابن خلدون، والقاضي أبو بكر الباقلاني وآخرون.

القول الثاني: إنه تجب كتابة المصحف لعامة الناس على القواعد الإملائية المعروفة لهم، ولا تجوز كتابته لهم بالرسم العثماني، وممن جنح إلى هذا صاحب البرهان وشيخ الإسلام العز بن عبد السلام.

القول الثالث: إنه يجب التزام الرسم العثماني في كتابة المصاحف، وإلى هذا ذهب جماهير العلماء من السلف والخلف.

أدلة القول الأول: استدل أصحاب هذا القول بأدلة ثلاثة؛ الأول: أن هذه الخطوط والرسوم ليست إلا علامات وأمارات، فكل رسم يدل على الكلمة، ويفيد وجه قراءتها، فهو رسم صحيح، وكاتبه مصيب.

 الثاني: أن كتابة المصحف على الرسم العثماني قد توقع الناس في الحيرة والالتباس، والمشقة والحرج، ولا تمكنهم من القراءة الصحيحة السليمة، فيُحرمون من الحصول على الثواب الموعود به على تلاوة القرآن الكريم، وربما يتعرّضون للعقوبة والإثم إذا قرؤوا قراءة غير صحيحة، فينبغي كتابة المصحف بحسب قواعد الإملاء الحديثة؛ تيسيرًا على الناس، ودفعًا للحرج والمشقة عنهم، وتمكينًا لهم من القراءة الصحيحة حتى يحصلوا على الأجر الموعود به على تلاوة القرآن الكريم.

 الثالث: ليس في الكتاب العزيز، ولا في السنة المطهرة، ولا في إجماع الأمة، ولا في قياس شرعى... ليس في شيء من ذلك ما يحتّم على من يريد كتابة مصحف أن يكتبه برسم معيّن، وكيفية مخصوصة، ولذلك لم يُروَ عن الرسول الأعظم أنه أمر أحدًا من كتاب الوحي أن يكتبه برسم خاص، ولا نهى أحدًا عن الكتابة بهيئة معينة.

        أدلة القول الثاني: واستدل أصحاب هذا القول بأن كتابة المصحف بالرسم العثماني يوقع الناس في المشقة والحرج. ويفضي بهم إلى التغيّر في كتاب الله تعالى بالزيادة فيه، أو النقص منه، قالوا: ومع هذا يجب الاحتفاظ بالرسم العثماني؛ لأنه من آثار سلفنا الصالح، فلا نتغاضى عنه بالكلية مراعاة لجهل الجهلاء، بل يبقى في أيدي العارفين الذين لا يخلو زمان من وجودهم، وتشرف الزمان بهم، قال صاحب التبيان: أما كتابة المصحف على ما أحدثه الناس من الهجاء، فقد جرى عليه أهل المشرق بناءً على كونها أبعد من اللبس، وتحاشاه أهل المغرب بناءً على قول الإمام مالك، وقد سئل: هل يُكتب المصحف على ما أحدث الناس من الهجاء؟ فقال: لا، إلا على الكتبة الأولى. قال في البرهان: قلت: وهذا كان في الصدر الأول، والعلم غض حي، وأما الآن فقد يُخشى الالتباس...

ولهذا قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: لا تجوز كتابة المصحف الآن على الرسم الأول باصطلاح الأئمة...؛ لئلا يوقع في تغير من الجهال، قال في البرهان: ولكن لا ينبغي إجراء هذا على إطلاقه؛ لئلا يؤدي إلى درس العلم، وشيء قد أحكمته القدماء لا يترك مراعاة لجهل الجاهلين، ولن تخلو الأرض من قائم لله بحجة ا.هـ.

        أدلة القول الثالث: استدل أصحاب هذا القول بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان له كُتّاب يكتبون الوحي، وقد كتبوا القرآن كله بهذا الرسم، وأقرأهم الرسول على كتابته، وانتقل الرسول إلى الرفيق الأعلى وقد كتب القرآن على هذه الكيفية المخصوصة، لم يحدث فيها تغيير ولا تبديل.. ثم تولّى الخلافة أبو بكر، فكتب القرآن كله في الصحف على هذه الهيئة، ثم جاء عثمان، فنسخ المصاحف العديدة من صحف أبي بكر، وكتبها كلها على هذا الرسم أيضًا. ووزّعها على الأمصار؛ لتكون إمامًا للمسلمين. ولم ينكر أحد من الصحابة على أبي بكر ولا على عثمان، بل ظهر كل منهما بإقرار جميع الصحابة لعملهما، ثم جاء عصر التابعين، وأتباع التابعين، والأئمة المجتهدين، ولم يثبت أن أحدًا منهم حدثته نفسه بتغيير رسم المصاحف، وكتابتها برسم آخر يساير الرسم المحدث، بل ظلّ هذا الرسم منظورًا إليه بعين التقديس والإكبار في سائر العصور المختلفة، والأزمان المتفاوتة، مع أنه قد وجد في تلك العصور المختلفة أناس يقرؤون القرآن ولا يحفظونه، وهم في الوقت نفسه لا يعرفون من الرسم إلا ما وُضعت قواعده في عصر التأليف والتدوين، وشاع استعمالها بين الناس في كتابة غير القرآن، ولم يكن وجود هذا الصنف من الناس مما يبعث الأئمة على تغيير رسم المصحف بما تقضى به تلك القواعد.

 وإذا كان هذا الرسم قد حظي بإقرار الرسول صلى الله عليه وسلم، وإجماع الصحابة، واتفاق التابعين وأتباعهم، والأئمة المجتهدين عليه، فلا يجوز العدول عنه إلى غيره، خصوصًا وأنه أحد الأركان التي تنبني عليها صحة القراءة، وإليك نصوص أئمة الدين وأعلام الإسلام في ذلك.

        روى السخاوى أن مالك بن أنس إمام دار الهجرة سُئل: أرأيتَ من استكتب مصحفًا، أرأيت أن يكتب على ما استحدثته الناس من الهجاء اليوم؟ فقال: لا أرى ذلك، ولكن يُكتب على الكتبة الأولى. قال السخاوى: والذي ذهب إليه مالك هو الحق؛ إذ فيه بقاء الحالة الأولى إلى أن تعلمها الطبقة الأخرى بعد الأخرى، ولا شك أن هذا هو الأحرى، إذ في خلاف ذلك تجهيل الناس بأولية ما في الطبقة الأولى اهـ.

        وقال أبو عمر الداني: لا مخالف لمالك من علماء هذه الأمة. وقال الداني أيضًا: سُئل مالك عن الحروف في القرآن مثل الواو والياء والألف، أترى أن يُغيّر من المصحف إذا وجد فيه شيء من ذلك؟ قال: لا. قال أبو عمرو: يعني الواو والياء والألف الزائدات في الرسم، المعدومات في اللفظ، نحو: "لا أذبحنه" "بأييد" و "أولوا" وهكذا. وقال الإمام أحمد بن حنبل: تحرم مخالفة خط مصحف عثمان في واو أو ألف أو ياء أو غير ذلك. وقال صاحب المدخل: ويتعين على كاتب المصحف أن يترك ما أحدثه بعض الناس في هذا الزمان من نسخ المصحف على غير المرسوم الذي اجتمعت عليه الأمة. وقال النيسابوري: وقال جماعة من الأئمة: إن الواجب على القراء والعلماء وأهل الكتاب أن يتبعوا هذا الرسم في خط المصحف، فإنه رسم  زيد بن ثابت، وكان أمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وكاتب وحيه.

وقال البيهقي في شعب الإيمان: مَن كتب مصحفًا ينبغي أن يحافظ على الهجاء الذي كتبوا به تلك المصاحف، ولا يخالفهم فيه، ولا يغيّر مما كتبوه شيئًا، فإنهم كانوا أكثر علمًا وأصدق قلبًا ولسانًا وأعظم أمانة منا، فلا ينبغي أن نظنّ بأنفسنا استدراكًا عليهم. ونقل الإمام الجعبري وغيره إجماع الأئمة الأربعة على وجوب اتباع رسم المصحف العثماني.

        والذي تطمئن إليه النفس، ويوحي به الدين، وتهدي إليه الأدلة هو القول الثالث؛ لأمور:

أولًا: أن ما أورد أصحاب هذا القول من نصوص علماء الإسلام ظاهر في وجوب التزام الرسم العثماني في كتابة المصاحف.

ثانيًا: أن قواعد الإملاء والهجاء الحديثة عرضة للتغيير والتنقيح في كل عصر وفي كل جيل، وحيطتنا للكتاب العزيز وتقديسنا له يضطرنا إلى أن نجعله بمنأى من هذه التغييرات في رسمه وكتابته.

ثالثًا: أن تغيير الرسم العثماني ربما يكون مدعاة- من قريب أو من بعيد- إلى التغيير في جوهر الألفاظ والكلمات القرآنية. وفي ذلك ما فيه من الفتنة الكبرى، والشر المستطير، وسدّ الذرائع مهما كانت بعيدة أصل من أصول الشريعة الإسلامية التي تُبنى عليها الأحكام، وما كان موقف الأئمة من الرسم العثماني إلا بدافع هذا الأصل العظيم مبالغة في حفظ القرآن الكريم، وصيانة له من العبث.

رابعًا: في هذا الرسم خصائص ومزايا كثيرة، وقد تكفّل علماء الرسم ببيانها، فارجع إليها إن شئت.

وأما ما يتعلّل به أصحاب الرأيين الأولين من أن كتابة المصاحف على الرسم العثماني توقع الناس في حيرة وارتباك وما قالوه فمردود بأن المصاحف في هذا العصر- خصوصًا المصحف الحكومي- قد ضُبطت بالشكل التام، وألفها الناس، ومرنوا على القراءة فيها من غير حرج ومشقة، ومن قرأ "التعريف بالمصحف الأميري" الموضوع في ذيله يستطيع أن يقرأ في المصحف بغاية اليسر والسهولة، وبناءً على هذا:

يجب على كاتب المصحف وناشره: أن يتحرى كتابته على قواعد الرسم العثماني، ولا يخلّ بشيء منها بزيادة أو نقص، أو إثبات أو حذف؛ صيانة للقرآن الكريم من عبث العابثين، واقتداءً بالصحابة والتابعين، والأئمة المجتهدين، وأعلام الإسلام في سائر الأعصار والأمصار، لا فرق في ذلك بين المصاحف الكاملة، والصحف الصغيرة "الأجزاء" التي يتعلم فيها الصغار ومن في حكمهم من الكبار، ليتمرّنوا على قواعد هذا الرسم منذ نعومة أظفارهم، وعلى معلمي القرآن حيثما كانوا ألا يدّخروا وسعًا في تعليم أبنائهم تلك القواعد من الصغر؛ حتى يشبوا وقد وقفوا عليها، وأحاطوا بها خبرًا، وأصبحت القراءة في المصحف سجية لهم، وميسورة عليهم، ويجب على كاتب المصحف أيضًا أن يرسم الكلمات رسمًا يوافق الرواية التي يُكتب المصحف عليها ولو احتمالًا، فيرسم "وسارعوا" بإثبات الواو، وإذا كان يكتب على رواية حفص مثلًا ويرسم "مالك يوم الدين" على رواية حفص أيضًا بحذف الأول؛ لأن رسمه كذلك يوافق رواية حفص احتمالًا، فيمتنع رسم الكلمات بما لا يوافق الرواية لا صراحة ولا احتمالًا، فتأمل.

ويستحب من كاتب المصحف- وكذا من ناشره- أن يجتهد في تحسين كتابته وإيضاحها، وتبيين حروفه وتجويدها، وأن يكتبه في حجم كبير؛ احترامًا للقرآن الكريم، وتعظيمًا لشأنه، ولذلك ورد أن عمر بن الخطاب وجد مع رجل مصحفًا قد كتبه بخط دقيق فكره ذلك عمر، وضرب الرجل وقال له: عظِّموا كتاب الله.

وتجوز كتابة المصحف بالذهب، وقد استحسن هذا الإمام الغزالي، ولكن ورد عن ابن عباس وأبي ذر وأبي الدرداء أنهم كرهوا ذلك، وقد مرّ على ابن مسعود رجل يحمل مصحفًا قد زُيّن بالذهب فقال ابن مسعود: إن أحسن ما زُيّن به المصحف تلاوته بالحق، ويجوز نقط المصحف وشكله.

وقد كرهه جماعة من السلف، ورُوي عن الإمام مالك أنه أباح نقط المصحف وشكله في مصاحف الصغار ومن في حكمهم من الكبار، ومنع ذلك في الأمهات أي: المصاحف الكاملة. وعن الحسن وابن سيرين أنهما قالا: لا بأس بنقط المصحف، وعن ربيعة ابن أبي عبد الرحمن أنه قال: لا بأس بشكل المصحف. وقال الإمام النووي من كبار علماء الشافعية: نقط المصحف وشكله مستحب؛ لأن ذلك صيانة له من اللحن والتحريف. وقال الإمام الداني في كتاب النقط: "والناس في جميع أمصار المسلمين من لدن التابعين إلى وقتنا هذا على الترخّص في ذلك. أي: في نقط المصحف وشكله في الأمهات وغيرها ولا يرون بأسًا برسم فواتح السور، وعدد آياتها ورسم الخموس والعشور في مواضعها، والخطأ مرتفع عن إجماعهم ا.هـ.

 والذي أراه أن نقط المصحف وشكله شكلًا كاملًا واجب في هذا الزمن؛ لتيسير قراءة القرآن على سائر الناس، وللمبالغة في صيانته من اللحن والتحريف، وتجوز كتابة أسماء السورة وعدد آيها، وبيان كون السورة مكية أو مدنية، من غير تعرض لذكر المستثنات؛ لعدم الاتفاق عليها، كما تجوز كتابة علامات الأجزاء والأحزاب والأرباع والسجدات، وعلامات الوقوف وأرقام الآيات وعلامات فواتح السور وخواتيمها، وقد كره ذلك كله جماعة من السلف؛ لقول ابن مسعود: جرِّدوا القرآن، ولا تخلطوا به ما ليس منه ا.هـ.

        والذي أراه أن ذلك كله لا بأس به، وإليه جنح جماهير العلماء من السلف والخلف كما تقدم عن الداني.

 ويجوز تحلية المصحف بالفضة؛ إكرامًا له على الصحيح؛ فقد أخرج البيهقي عن الوليد بن مسلم قال: سألت مالكًا عن تفضيض المصحف، فأخرج إلينا مصحفًا فقال: حدّثني أبي عن جدي أنهم جمعوا القرآن في عهد عثمان رضي الله عنه، وأنهم فضضوا المصاحف على هذا ونحوه، وأما بالذهب فالأصح جوازه للمرأة دون الرجل. وخصّ بعضهم الجواز بنفس المصحف دون غلافه المنفصل عنه، والأظهر التسوية، والله أعلم.

 

 

الله الله في القرآن!

للدكتور محمد يوسف موسى

ـــــــــــــــــــــ

منذ أيام ونفسي تلحّ على إلحاحًا شديدًا بكتابة كلمة صريحة في هذا الموضوع؛ لعلّ الله ينير منا البصائر، فنرى الخطر الداهم الذي يوشك أن ينال الإسلام من أساسه، ويكون من ذلك أن نعمل في جدٍّ وحزم على دفع هذا الخطر قبل ألا نستطيع له دفعًا.

وذلك أن من ينظر إلى المستقبل القريب، ولا أقول البعيد، يوقن يقينًا لا ريب فيه أنه بعد انقراض هذا الجيل من حفظة القرآن لن نجد في مصر من يحفظ شيئًا منه، بل من يجيد تلاوته من المصحف. وإذا كان هذا في مصر، معقل الإسلام ورأس العربية والعروبة، فسيكون الأمر كذلك في غيرها؛ لأن مصر هي التي تنفرد بحفظ القرآن منذ زمن طويل، وحينئذ يفقد القرآن – لا قدّر الله تعالى – صفة التواتر التي يتميز بها عن سائر كتب الله المقدسة.

ولو أننا نؤمن بقدرة الله، وأنه هو الذي أنزل كتابه هدى ونورًا لخلقه، وهو الذي تولّى حفظه؛ إذ يقول: "إنا نحن نزلنا الذكر وإنه له لحافظون"([2])، ليئسنا منذ الزمن البعيد؛ وذلك بسبب السياسة التي تتحكّم في وزارة المعارف والتعليم، والتي انتهت اليوم بعدم وجود معهد رسمي يقوم على تحفيظ القرآن. ونذكر بعد هذا شيئًا من التفصيل؛ لعل فيه تذكيرًا للناس وتنبيهًا للغافل، والله المستعان.

1– كانت المدارس الأولية قبل النظام الجديد للتعليم تُعنى بعض العناية بالقرآن وتحفيظه، بل كان بالكثير منها أقسام للحفاظ، واليوم وقد أخذت رياض الأطفال تحلّ محلّ هذه المدارس، أصبحنا لا نجد أثرًا لهذه الأقسام، بل عدمت العناية بالقرآن في هذه المرحلة من مراحل التعليم.

2– وكانت مدارس المعلمين الأولية تشترط فيمن ينتسب إليها حفظ القرآن كله، ثم صارت حينًا تشترط حفظ نصفه، على أن يؤدي قبل تخرّجه الامتحان بنجاح في حفظه تمامًا، واليوم – ابتداءً من هذا العام الدراسي– أُبيح أن يتقدم لهذه المدارس حملة الشهادة الابتدائية، ومعنى هذا أنه ألغي شرط حفظ شيء من القرآن في طلبتها، بل أصبح لغير المسلم أن يتقدم للانتساب إليها ما دام معه الشهادة الابتدائية.

3– وكانت كلية دار العلوم، تحتفظ حتى العام الماضي بطابعها الإسلامي؛ إذ كانت تأخذ طلبتها من الحائزين للشهادة الثانوية من أبناء الأزهر. وهؤلاء يُفترض فيهم أنهم يحفظون القرآن تامًّا أو غير تام. وفي هذا العام الحالي أخذت طلابها من حملة الشهادة التوجيهية الذين لا يحفظون القرآن طبعًا، إلا مَن رعاه الله، فنشأ في بيت متديّن، فحفظ شيئًا منه بوسائله الخاصة. وليس يغني شيئًا في هذا السبيل تعهّد الطالب أن يحفظ القرآن داخل الكلية، وأن يؤدي امتحانًا فيه قبل تخرّجه؛ لأن ذلك يُعدّ تكليفًا بما لا يُطاق.

4– وكان طلاب المعاهد الابتدائية من الأزهر لا يدخلون هذه المعاهد إلا وهم يحفظون القرآن كلّه، ثم تساهل أولوا الأمر بالأزهر تحت ضغط ما يسمونه الظروف، فأصبحوا لا يشترطون إلا حفظ نصفه. ونعتقد أن هذا الشرط الأخير أصبح أيضًا متساهلًا فيه، فإن طلاب هذه المعاهد لا يحفظون شيئًا ذا غناء من القرآن.

5 – وبكلمة واحدة، صار أبناؤنا يذهبون في أول نشأتهم إلى رياض الثانوي، وهذه تسلّمهم إلى مرحلة التعليم الابتدائي، ثم ينتقلون إلى التعليم الثانوي، وأخيرًا إلى الجامعة. فمتى وأين يتعلمون القرآن ويحفظون قدرًا صالحًا منه؟ بل كيف يحسن الواحد منهم تلاوته؟ !

6 – يقولون: إن منهجًا جديدًا وُضع للتعليم في المرحلتين الابتدائية والثانوية، وإنه بحسب هذا المنهج أصبح للدين ستة دروس في الأسبوع في الابتدائي، واثنان في الثانوي.

وهنا نذكر أنه لا يُخصّص للقرآن في هذا المنهج إلا ثلاثة دروس في الابتدائي ودرس في الثانوي، فهل في هذا كفاية لحفظ شيء من القرآن؟ ثم إن مادة الدين كلها لا امتحان فيها([3])، ومن ثَمّ لا يهتم التلاميذ ولا المدرسون بها طبعًا، بل إن جمهرة هؤلاء يشغلون دروسها بدروسهم في المواد الأخرى، وبذلك يصبح أمر تعليم الدين لعبًا وسخرية بالدين نفسه!

7 – وقد يقال بأن هناك جمعيات خاصة غير رسمية تهتم بتحفيظ القرآن، ولكن من أين تستمد هذه الجمعيات تلاميذها من أبناء الأمة؟ إن الآباء تفتنهم رياض الأطفال والمراحل الأخرى الرسمية للتعليم، كما يفتنهم المستقبل الزاهر لخريجي هذه المعاهد والجامعة من بعدها. والنتيجة الطبيعية لهذا وذاك، الانصراف عن جمعيات تحفيظ القرآن، وبخاصة وليس لخريجها أيّ ضمان للمستقبل الطيب والحياة الكريمة.

8–  لقد رأينا إذن من ذلك، أن نظام التعليم العام، الذي يتولّى النشء، وهم أطفال حتى يتخرجوا في الجامعة، قد وُضِع ليصرف الأمة عن حفظ القرآن، بل عن العناية بإجادة تلاوته! وهذا إلى درجة تجعل من المتعذَّر أن يجد مَن يريد لأبنائه حفظ القرآن الوسيلة لذلك!

وبعد

أيّها الناس!  نريد أن يعلم مَن يحب أن مصر بلد إسلامي، وأنها معقل الإسلام، فلا تبغي عنه حولًا، وأننا مصمّمون على أن نظل دائمًا رعاة الإسلام وحماته، وأنه لا سبيل لذلك إلا بالعناية بالقرآن كتابه الأول؛ حفظًا ومدارسةً وفهمًا وعملًا به، وبسنة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وأنه ليس في شيء من ذلك دعوة لفرقة دينية أو طائفية.

 فالإسلام أحرص الأديان على الألفة والمودة وجمع كلمة أبناء الوطن الواحد، مادام كل من أبنائه متمسكًا بدينه لا يريد بإخوته في الوطن أيّ شيء من الظلم أو العدوان، وفي ذلك يقول القرآن نفسه: "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلونكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين"([4]).

        أيها المسلمون.. إن القرآن كتاب الإسلام ودعامته وأساسه الوحيد، وإن الله قد أنزله هدى للمتقين ونورًا أخرج به العالم من ظلمات الشرك والجهالة، وإنه المصدر الأول لشريعة الإسلام ونظمه الرشيدة الحكيمة في الحكم والإدارة، هذه النظم التي بها صلاح المسلمين والعالم كله في الحاضر والمستقبل من الزمان.

أيها المسلون.. إن هذا الكتاب الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؛ لأنه تنزيل العليم الحكيم، هو الذي يقول فيه الرسول صلوات الله وسلامه عليه ما رواه سيدنا علي رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ستكون فتن كقطع الليل المظلم))، قلت: يا رسول الله، وما المخرج منها؟ قال: ((كتاب الله تعالى، فيه نبأ من قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، مَن تركه من جبار قصمه الله، ومَن ابتغى الهدى في غيره أضلّه الله، هو حبل الله المتين، ونوره المبين.. وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تتشعّب معه الآراء، ولا يشبع منه العلماء، ولا يملّه الأتقياء، ولا يخلَق على كثرة الردّ، ولا تنقضي عجائبه.. مَن حكم به عدل ومَن عمل به أُجر، ومَن دعا إليه هُدي إلى صراط مستقيم)) ([5]).

أيها المسلمون: لقد عشت في باريس مدة طويلة من الزمن، وفيها عرفت كثيرًا من أبناء الشعوب الإسلامية من شتى أقطار الأرض، وتحقّقت أن الله اختصّ مصر بميزة حفظ القرآن والقيام عليه؛ إذ قصارى غير المصريين إجادة تلاوته من المصحف، كما كنا نسمع من القارئ يوم الجمعة بمسجد باريس. بل عرفت أن من الشعوب الإسلامية مَن لا يجدون السبيل لاقتناء المصحف، أمثال غرب إفريقية الواقعة تحت سلطان فرنسا العاتية في ظلمها وجبروتها متى وجدت نفسها إزاء شعب ضعيف، وأمثال أبناء جنوب أفريقية الذين يسيطر عليهم النفوذ الإنجليزي الاستعماري الظالم. وإن علينا، حين نعلم ذلك ونلمسه ونراه، أن نعمل في جدّ وحزم وقوة على أن نحتفظ بالميزة التي اختصّنا الله بها، وأن نعمل كذلك على أن يصل القرآن لكل أبناء الأمة الإسلامية، ومعه قوم يقومون على تحفيظه وتفهيمه ودراسته، وذلك كله كما تفعل الدول والأمم المسيحية في هذه البلاد بالنسبة للتوراة والإنجيل ونشر الدين المسيحي بكل طريق، وذلك برغم ما يزعمون من حرية الاعتقاد.

        أخي في الله والوطن، الرئيس محمد نجيب، إن الله قد خصَّك بمكرمة لم يخصّ بها أحدًا من أبناء هذا الجيل، واصطفاك لرسالة تؤدّيها في  هذا الزمن لمصر والإسلام، والله أعلم حيث يجعل رسالته، وإن الله لا يخلي من يصطفيه لأمر جلل كالذي اصطفاك له من نصره ورعايته، متى ظلّ قائمًا على رسالته، عاملًا على تحقيقها بكل سبيل يتفق مع الحق والقانون. هذه الرسالة هي إعادة بناء هذه الأمة بعد أن زال طاغوتها وطغاتها، ولا سبيل للبناء الصالح للخلود إلا أن يقوم على أسس سليمة قوية، وأول هذه الأسس هو القرآن وما جاء به، فعلينا أن نمكّن له من صدور أبناء الأمة الإسلامية جميعًا، وذلك بالعمل على حفظه بمصر ونشره في سائر بلاد الإسلام.

وليس لهذا إلإ طريق واحد، بعد أن سُدّت الطرق في ظلّ قانون التعليم ونظمه القائمة الحالية على من يريد حفظ القرآن في معاهد الدولة، وهذا الطريق هو إصدار قانون يحتم حفظ نصف القرآن الكريم مثلًا في المرحلتين الابتدائية والثانوية. وبعد ذلك يكون من الممكن، متى عرف الشاب المثقّف المسلم جدوى القرآن في تقويم لسانه وتثقيف عقله، واطمئنان قلبه وتحبيبه إلى المثل الأخلاقية العليا.

 نقول: بعد أن يدرك الشاب المسلم ذلك ونحوه، يندفع من نفسه لحفظ باقي القرآن.

        ثم إصدار قانون آخر يعترف بجمعيات تحفيظ القرآن، ويعين تلاميذها، ويعترف بشهادتها النهائية، وأنها تجيز لهم الالتحاق في المدارس الثانوية مع التجاوز عما يكون من فارق السن، مع تعديل مناهجها بما يؤهّلهم لذلك بعد أن يكونوا قد أتموا حفظ القرآن.

هذا هو ما يريده الإسلام من الدول في هذا السبيل. أما الأزهر فعليه أن يعود إلى سنته الأولى، فيحتّم شرط حفظ القرآن على من يريد الانتساب إليه، وينفذ هذا الشرط فعلًا، وإن العمل لذلك أولى برجال الأزهر من أن يدسّ بعضهم لبعض، ويصارع بعضهم بعضًا في سبيل هذا المنصب والجاه والنفوذ.

 وأخيرًا، إننا إن لم نقم بواجبنا في هذا السبيل: حكومة وهيئات وشعبًا، لم يكن لنا أن ننتظر عناية الله وبصره، وكنا أمة مسلمة بنصّ الدستور فحسب، دون الواقع العملي، أمة تقول ولا تفعل، وتتمنى ولا تريد، أو تريد ولا تصمّم على تحقيق ما تريد من الخير لها وللعالم كله، ونعوذ بالله من أن نصير إلى ذلك بعد أن استيقظنا من النوم، وتخلَّصّنا من سياسة العهد الذي نرجو أن يكون قد انتهى إلى غير رجعة بكل سيئاته وأوزاره ورجاله وأحزابه.

هذا، وليس من العسير على مَن يريد ممن تقدّمت بهم السن حفظ باقي القرآن، متى حفظ قدرًا صالحًا منه في صغره، وبخاصة ومعرفته بعلوم اللغة وما إليها تعينه على حفظ القرآن إذا صار أهلًا لتذوقه وفهمه، ولعل من الخير أن نشير هنا إلى ما أحرزه كثير من شباب "الإخوان المسلمون" من النجاح في هذا السبيل([6] والله الموفق لكل خير، ونسأله العون والتوفيق.

 

 

نبذة في بعض أحكام القرآن

لفضيلة الشيخ سيد غريب([7])

ـــــــــــــــــــــــ

قال المؤلف رحمه الله تعالى: اعلم أن مثل العالمين والرحيم ونستعين في الوصل يقال له: مد طبيعي؛ لأن الطبع السليم لا يقبل زيادته عن الحركتين، ويمد حركتين، الحركة بمقدار ضم الأصبع أو فتحه بحالة متوسطة، والحركتان بمقدار ضم الأصبعين أو فتحهما بحالة متوسطة، وفي الوقت يقال له: مد عارض للسكون؛ لأن جواز الزيادة فيه عرض؛ لأجل السكون، وفيه ثلاثة أوجه، وهي القصر والتوسط والمد؛ فالقصر حركتان، والتوسط أربع، والمد ست، فالحركتان بمقدار ضم الأصبعين أو فتحهما بحالة متوسطة، والأربع بمقدار ضم أربع أصابع أو فتحها بحالة متوسطة، والستة بمقدار ضم ست أصابع أو فتحها بحالة متوسطة.

وأما نحو موسى وعيسى، فيقال له: مد طبيعي وصلًا ووقفًا؛ لأنه ليس بعده همز ولا سكون.

 وإذا اجتمع مدّ وهمز، وكان المدّ والهمز في كلمة واحدة نحو: (أولئك)، فيقال له: مدّ متصل؛ لأن المدّ والهمز في كلمة واحدة، وفيه وجهان أربع أو خمس، فالأربع بمقدار ضم الأصابع الأربع أو فتحها بحالة متوسطة، والخمس بمقدار ضم الخمس الأصابع أو فتحها بحالة متوسطة.

 وإذا كان في كلمة والهمزة في كلمة أخرى، ففيه وجهان أيضًا؛ أربع أو خمس.

 ثم اعلم أن مدّ جميع يائها الواقعتين في القرآن وبعدهما همز نحو: (يا أيها) و(ها أنتم) جرى فيه خلاف، فبعضهم قال: إنه مدّ متصل؛ لأن المد والهمزة في كلمة واحدة، وهذا خلاف المعتمَد، والمعتمَد أنه منفصل؛ لأن المد في كلمة، والهمزة في كلمة أخرى، إلا ( هاؤم اقرؤوا كتابيه)([8]) فإنه مدّ متصل باتفاق.

 واعلم أن المد اللازم أقسامه أربعة؛ الكلمي المثقل والكلمي المخفف والحرفي المثقل والحرفي المخفف، فالمثقل كونه بعد المد شدة نحو: و(الضالين)، فإنه مدّ لازم كلمي مثقل لازم للزومه ست حركات وكلمي؛ لكونه في كلمة، ومثقل؛ لأنه بعد حرف المد شدة ويقع في القرآن في كثير، والكلمي المخفف هو أن يكون بعد المدّ سكون نحو (آلآن)، فإنه مدّ لازم كلمي مخفف لازم للزومه ست حركات، وكلمي؛ لكونه في كلمة، ومخفّف؛ لأنه ليس بعد حرف  المد شدة، ويقع في القرآن في موضعين، وهما (آلآن) بموضعي يونس، والحرفي المثقل نحو (الم)، فإنه مدّ لازم حرفي مثقل ومخفف يقال: كيف يجتمع ثقل وخفة معًا؟

فنقول: لأنهما مدّان: الأول مد لازم حرفي مثقل لازم للزومه ست حركات، وحرفي؛ لكونه في حرف، ومثقل؛ لأن بعد حرف المد شدة، والمد الثاني وهو مد (م) مد لازم حرفي مخفف لازم للزومه ست حركات، وحرفي؛ لكونه في حرف، ومخفف؛ لأنه  ليس بعد حرف المد شدة، والمد اللازم الحرفي المخفف نحو: ص ق ن.

 واعلم أن فواتح السور أربعة عشر، وهي: (صله سميرا من قطعك)، وتنقسم قسمين حروف ثلاثية وحروف ثنائية، فالحروف الثلاثية وكلها تمد مدًّا لازمًا إلا الألف، فتبقى ثمانية، وهي: (نقص عسلكم)، لكن عيص وعسق ففيهما وجهان: المد والتوسط، والحروف الثنائية خمسة تمد طبيعيًّا وهي: (حي ظهر)، والله أعلم.

                                                                سيد غريب

                                                         



[1]) شيخ معهد القراءات.

[2]) الحجر 9.

[3]) نحمد الله للحكومة الحازمة أن تقرر أخيرًا الامتحان في مادة الدين.

[4])  الممتحنة 8.

[5]) راجع الحديث كله في أحكام القرآن للقرطبي، ج 1 :4 من الطبعة الأولى لدار الكتب.

[6]) انظر ما كان عليه أقطار الإسلام في هذا المسألة، في مقدمة ابن خلدون ص 447-449، طبع بمطبعة التقدم عام 1322هـ، في الفصل الخاص بتعليم الولدان واختلاف مذاهب الأمصار الإسلامية في طرقه.

[7])  شيخ مقرأة السيد زينب.

[8])

 

المقالة السابقة
السبيل إلى ضبط كلمات التنزيل
المقالة التالية
تفسير القرآن الكريم (سورة الواقعة)
التعليقات
هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

أضف تعليقك

المسجلين في الموقع فقط يمكنهم إضافة تعليقات. سجل الآن.