الوحدة البنائية على مستوى السورة

طه جابر العلواني

  • التصنيف: معاني القرآن
  • تاريخ النشر: 8 شوال 1435 (4‏/8‏/2014)
  • آخر تحديث: 18 رجب 1436
عدد الزيارات: 1,250
QR Code
0 1
سورة الفاتحة عمودها ومحورها (توحيد الربوبية) وهو ظاهر في الآيات الثلاث الأولى لتأتي الآية الرابعة والخامسة في (توحيد الألوهية) ثم التلقين بالهداية (أي أن يكون القرآن هدىً إلى الصراط المستقيم) وسلوك سبيل الموحّدين، الذين تزكّت أنفسهم بالتوحيد وصاروا مؤهلين للاستخلاف، لا أولئك الذين غضب الله عليهم لكفرهم وشركهم ولا الذين أخطأوا سبيل التوحيد فضلّوا.  
 
سورة البقرة سورة البقرة مع كونها أطول سورة في القرآن فإن عمودها الأساس هو (التوحيد) كذلك، وحول هذا العمود قامت سائر الأوتاد الأخرى التي تتكون السورة من نجومها. وأول هذه الأوتاد تصنيف الناس بحسب مواقفهم من التوحيد، وهذا التصنيف يؤدي مهمة أخرى وهي تفصيل ما أجمل في الآيتين السادسة والسابعة من سورة الفاتحة. 
 
وينتهي الوتد الأول بالآية العشرين. ليبدأ الثاني بدعوة الخلق إلى العبادة موظفاً في حضّهم على القيام بها (دليل العناية) الذي يؤكد باستمرار على توحيد الربوبية. 
 
ويأتي الوتد الثالث ليؤكد كل ما تقدّم صحته وصدقه بالتأكيد على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وحجّية الرسالة والتحدي بها واتختذ عجزهم وعجز شهدائهم عن الاستجابة لذلك منطلقاً لتحذيرهم من رفضه وردّه دون حجّة أو دليل، وقرن ذلك بالبشارة للمؤمنين. ثم يأتي وتد آخر ينبّه إلى أهمية الأمثال التي يضربها الله لعباده بقطع النظر عن أركان المَثَل: بعوضة فما فوقها. ففي سورة {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} [سورة الحج، الآية: 73]، فالمثل يضع أولئك الذين يشركهم المشركون بنسبة الألوهية والربوبية لهم في وضع يجعلهم في غاية الضعف بحيث لا يمكن لعاقل أن ينسب أيّ قدرة أو طاقة يمكن أن تؤهلهم إلى أي مستوى من مستويات القدرة فضلاً عن مستوى الربوبية والألوهية، فهم لا يستطيعون خلق ذبابة ولو حاولوا ذلك مجتمعين، بل يذهب إلى أبعد من ذلك حين يقرر أن الذباب إذا سلبهم شيئاً لا يستطيعون استعادته منه، فأيُّ سَفَه بعد ذلك يمكن أن يوصف به هؤلاء الذين يشركون مع الله هذه الآلهة المزعومة العاجزة والضعيفة. 
 
إن هذا المثل -وإن وظّف الذباب بكل ضآلة شأنه- لكنه لا شيء آخر يمكن أن يؤدي دور الذباب في رسم هذه الصورة، لذلك فإن الله تعالى لا يستحي أن يضرب مثل هذه الأمثلة لآلهتهم التافهة الحقيرة لتتضح لهم أوجه ضعفهم وسفاهتهم وتهافت تفكيرهم. ثم يوجّه لهم استفهاماً استنكارياً يستنكر كفرهم مع وجود كل ما يدعو إلى الإيمان بل يحمل عليه. ويوصل بذلك بقصة الخلق: خلق البشر ليوضح بها ضرورة الإيمان للبشر الذين كانوا أمواتاً فأحياهم الله، والإيمان حياةٌ لقلوبهم لا يستكملون صفات الأحياء بدونه. فكأن آيات الخلق تفصيل لهذا الإجمال، إضافة إلى خلق السموات والأرض. 
 
وبعد أن يبيّن كيف أزلّ الشيطان آدم وزوجه بالمعصية فيما دون الكفر، وبيّن رحمة الله بهما والتوبة عليهما بدأ بذكر فصيل مهم من ذريته، وهم بنو إسرائيل الذين أشبهوه في المعصية ولم يشبهوه في التوبة مع توافر كل وسائل الهداية والصلاح لهم من النبوة والشريعة. ويتناول بتفصيل كيف منّ الله تعالى عليهم بسائر وسائل الهداية والكتاب والآيات والتسخير وأعطاهم سائر الوسائل التي تعينهم على الاستقامة على الطريقة لو شاؤوا، ومع ذلك فقد انحرفوا وضلّوا حتى فقدوا صلاحيتهم لأن يكون من المصطَفَيْن الذين يصلحون أن يكونوا نموذجاً لأمم العالم. فنُسخت آية اصطفائهم وأُبدلوا بخير منهم: أمة أخرى تصلح أن تقدِّم للبشرية نموذجاً ومثالاً يُقتدى به، ويُلتفّ حوله، وبذلك نبلغ الآية (106). 
 
ثم يأتي نجم أو وتد آخر بذكر تفاصيل أخرى عن انحرافات بني إسرائيل مع تحذير الأمة البديلة لهم، أو أصحاب الآية التي مثّلت خيراً منهم ومن الآيات التي جاءتهم من أن يسلكوا سبيلهم. هذا، حتى تبلغ السورة قصة سيدنا إبراهيم الذي ينتسب إليه بنو إسرائيل ويزعمون أنهم ورثة رسالته، وحين بشّره الله تعالى بإمامته للناس سأل إبراهيم ربه جلّ شأنه أن تكون في ذريته من بعده، فقال: {قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} [سورة البقرة، الآية: 124] وفيه إشارة إلى أولئك الذين تلبّسوا بما ينافي التوحيد عدة مرات، منها اتختذهم العجل ودعوتهم موسى ليجعل لهم إلهاً كالمشركين، وقولهم عُزير ابن الله، والشرك ظلم عظيم، فإذن لا ينال عهد الله تعالى هؤلاء حتى لو انتسبوا إلى إبراهيم بانتسابهم إلى إسحق ويعقوب أو (إسرائيل). وإذ نُسخت آيتهم، وجرى تجاوزهم بعد كل ما فعلوا، يبدأ إعداد الملّة الحقيقية لإبراهيم، الملّة الموحِّدة، وذلك بالتحول إلى ذرية إسماعيل، والإعداد للتخلي عن القِبلة وسائر الرموز والتشريعات التي ارتبطت ببني إسرائيل. ويبيّن أن هذا البيت الحرام هو بيته الذي أمر إبراهيم وإسماعيل ببنائه في الأرض الحرام، وهي أهم وأفضل من الأرض المقدّسة، وهذا البيت أفضل وأهمّ من المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله، والبركات التي حلّت بدعاء إبراهيم أكثر مما أصاب أهل المسجد الأقصى. وأكّد على أن هذه الأمة هي البديل الشرعي لتلك الأمة التي نسخت آياتها، فهي الأوثق صلة بإبراهيم، وهي الأحق به والأولى بميراثه، وأن بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم هي الاستجابة الإلهية لدعوة سيدنا إبراهيم. وبيّن كيف انحرف بنو إسرائيل عن وصية إبراهيم، ووصية يعقوب الذي عاهده بنوه عند موته أن يعبدوا إلهه وإله آبائه، فلو يوفوا بعهدهم ودعا اليهود منهم إلى اليهودية وزعموا أن إبراهيم كان يهودياً ودعا النصارى منهم إلى النصرانية وزعموا أن إبراهيم كان نصرانياً وتجاهلوا ملّة إبراهيم التوحيدية وأنكروا رسالة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم. ثم أمرت الأمة البديلة أن تُعلن إيمانها بجميع الأنبياء والرسل وأن تكون أمة مسلمة موحّدة. ثم يبدأ الجزء الثاني بمناقشة اعتراضاتهم على تحويل القبلة، ويبيّن أن هذه الأمة قد احتلّت موقع الخيرية والوسطية واتسحقت منصب الشهادة على الناس وورثت الكتاب وتراث النبوات فلتستقبل بيت الله الذي أُمر إبراهيم وإسماعيل برفع قواعده وبنائه. ثم يأتي التعليل لاتخاذ قبلتهم بادئ الأمر، وأنه لم يؤدّ إلى تفهمهم لرسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا لصلته بإبراهيم وإسحق ويعقوب وإسماعيل وموسى وعيسى وغيرهم من الأنبياء والمرسلين، وإرثه لذلك كله. وانتقال القبلة من المقدس إلى المحرّم انتقالٌ له دلالات كبيرة خاصة بعد طيّ صفحة بني إسرائيل، إنه انتقال عن استقبال ما هو أدنى بما هو أعلى، إنه دليل على أن بني إسرائيل حالة ميؤوس من استجابتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم مهما حدث، ولذلك فإنه عليه ألا يلتفت إليهم وعليه أن يولّي وجهه شطر المسجد الحرام في كل وقت وفي أي مكان كان. 
 
وبعد أن يفرُغ من قضية القبلة تأتي نجوم وأوتاد أخرى في (التزكية) من جوانب مختلفة، فيها إنشاء توجيهات وأوامر للأمة الوسط، وتحذيرات ضمنية مما وقع في السابقون. وتدخل فيها فرائض كثيرة وأحكام تتعلق بالأفراد وبالأمة وبالأُسرة حتى تصل السورة إلى الآية (242)، لتنتقل مرة أخرى إلى بني إسرائيل حيث خرج ألوف منهم من ديارهم حذر الموت فأماتهم الله ثم أحياهم ليريهم أنه خالق الموت والحياة وليشكروا الله أن أحياهم لعل ذلك يساعدهم على استدراك ما فاتهم. وتأتي إشارة في الآية اللاحقة إلى أن القتال ليس سبيلاً إلى الموت بل هو سبيل إلى الحياة ما دام في سبيل الله تعالى. ثم يأتي الحثّ على الإنفاق في سبيل الله، فالقتال إنفاق للأرواح، والزكاة والصدقة إنفاق الأموال في سبيل الله، وما دامت في سبيل الله فكأنها قرضٌ يُقرضه المتصدق لله تعالى وأعظِم بها مرتبة أن يكون المتصدّق بمرتبة المُقرِض لله تعالى. 
 
ثم تعود الآيات إلى بني إسرائيل وهذه المرة يكون الحديث عن الملأ منهم وموقفهم من القتال في سبيل الله الذي أمر المؤمنين به في الآية (244) وبعد أن أبدوا استعدادهم للقيام به إذا تولى أمرهم ملك وأكدوا ذلك بذكر الأسباب التي تحملهم على القيام به من إخراجهم من ديارهم، والتفريق بينهم وبين أبنائهم. ثم نكصوا ونكثوا وتولوا عن القتال إلا قليلاً منهم. وحين احتجزا بعدم وجود الملك الذي يجتمعون عليه ويقاتلون تحت قيادته أخبرهم نبيهم بأن الله قد بعث لهم طالوت ملكاً، فبدأوا يُظهرون تبرّمهم ويؤكدون أنه لم يكن الملك الذي كانوا يطمعون أن يُملّك عليهم فأُعطوا آية ومعجزة لتحملهم على القبول به، هي التابوت. ثم يذكر الله تعالى عصيانهم لملكهم وهم متجهون لقتال عدوهم، ثم جبنهم إلا عدداً قليلاً منهم عن ملاقاة عدوّهم. ومع ذلك فقد كان النصر حليف القلة الصابرة الصامدة ليُري الله تلك الكثرة الكافرة بنعمه أن النصر من عند الله، وأن الهزيمة حين تقع فبجبن الناس وترددهم وضعف إيمانهم وذنوبهم. وتبين خاتمة قصة هؤلاء أن القتال من قبيل دفع الله الناس بعضهم ببعض لئلا يعمّ فساد المفسدين وظلم الظالمين الأرض كلها. 
 
ثم تؤكد الآية (255) أن كل ما تقدم آيات من آيات الله تتلى على رسوله بالحق مع التأكيد أنه من المرسلين، فنفي هؤلاء لرسالته وجحودهم بها لا يغيّر من هذه الحقيقة شيئاً. ثم يبين له التفاضل بين الرسل وكيف فضّل الله بعضهم على بعض، واختص الله بعضهم بفضائل لم يعطها لآخرين منبّهاً إلى تفضيل رسول الله على من سبقه وإن كان الرسول الأخير وخاتم النبيّين. ثم يعيد التأكيد على الإنفاق في سبيل الله بصيغة مغايرة للصيغة التي وردت في الآية (245)، إذ في هذه الآية (245) يغلّب جانب التحذير الشديد من عدم الإنفاق، لا جانب الترغيب، تعقبها آية الكرسي التي تعود لتوكيد التوحيد بشكل في غاية القوة: فالله لا إله إلا هو، والله هو الحيّ القيوم الذي لا يشبه عباده أو خلقه في شيء، فلا تأخذه سنة ولا نوم، وكل ما في السموات والأرض ومن فيهن له، ولا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، إذ حين ذكر تفضيل الأنبياء بعضهم على بعض قد يتوعم بعض أتباعهم أن شفاعة أنبيائهم لهم سوف تخلّصهم وتنجيهم من عذاب الله، حتى لو لم يؤمنوا بخاتم النبيين أو أنها ترفع عنهم مسؤولية ما صنعوا، فنفى الشفاعة عن الجميع إلا بإذنه، ليدرك هؤلاء أنه إلى سبحانه يرجع الأمر كله، وأن هؤلاء الأنبياء لا يحيطون إلا بما شاء الله وأن كرسيه سبحانه قد وسع السموات والأرض، وأن حفظهما لن يصعب عليه ولن يثقل. 
 
ومع ذلك فلن يكون هناك إكراه منه لأحد على التوحيد وعلى الدين فللناس الحرية بأن يؤمنوا بالله ويكفروا بالطاغوت أو يعكسوا ذلك، لكن عليهم أن يدركوا الفرق بين الاثنين. وبيّن توليه للمؤمنين ورعايته لهم فهو يُخرجهم من الظلمات إلى النور في حين أن أولئك الذين اختاروا الطاغوت سيخرجونهم من النور إلى الظلمات ويكون مآلهم الخلود في النار. ثم يورد مثالاً ونموذجاً لحجاج بين نموذج ومثال إيماني عال ونموذج للطغاة وكيف ينهزم الشرك والكفر أمام منطق الإيمان في جدل حول تحكم ظاهري في مصير الإنسان وعجز كامل عن التأثير في مسار الطبيعة، ففي عالم الإنسان قد يتمكن الطغاة من مصادر الإرادة وحرية الاختيار، أما في الطبيعة المسخّرة فإنهم لا يملكون تغيير قوانينها وسُننها. 
 
ثم يأتي بعد ذلك مثال آخر يدور حول ذلك الذي رأى قرية مواتاً فأبدى استبعاده أن تعود لها الحياة، ولغلاقة هذا الاستبعاد بقضية البعث أماته الله مائة عام ثم بعثه ليكون لنفسه ومن خَلْفه آية وليرى الكيفية التي يتم بها البعث، وإعادة الحياة في المخلوقات. وحين استبعد ذلك الذي مرّ على قرية إعادة الحياة للقرية بعد أن أصابها التلف يأتي مثل آخر لمؤمن يتمتع بتمام الإيمان بالبعث لكنه يريد أن يرى الكيفية التي يتم البعث بها ليطمئن قلبه مع الإيمان المجرّد برؤية الكيفية ومشاهدتها، ذلكم هو سيدنا إبراهيم عليه السلام. 
 
ثم ينتقل المشهد إلى عمل من أعمال البرّ التي تعزز الإيمان وتُنمي التوحيد وهي الإنفاق في سبيل الله. فالإنسان لا يتصور أنه يستطيع العيش بدون المال ولذلك فهو من أهم ما يتعلق الإنسان به ويحرص عليه فمطالبته بإنفاقه اختبار من الله لإيمانه وتوحيده وتحرير له من الشُحّ الذي أحضر الأنفس، فتقدّم لنا الآيات من (261) إلى (274) ترغيباً كبيراً وحثّاً شديداً على الإنفاق في سبيل الله تعالى وبياناً لآداب ذلك الإنفاق، وتقدّم صوراً غاية في الروعة لن يُنفق في سبيل الله دون أن تشوب إنفاقه شوائب المنّ والأذى وما إلى ذلك من خصال تعبّر بشكل أو بآخر عن إحساس داخلي بعدم الرغبة في الإنفاق، وغياب الإحساس بأنه مُستَخلف قي هذا المال، لا مالك على سبيل الحقيقة، ولا على سبيل الخلق والتسخير، ليظهر الفرق بينهم وبين أولئك الذين ينفقون من طيبات ما كسبوا وبنفوس طيبة باذلة تدل على أنهم تخلصوا من الشُحّ وخرجوا من دائرته، وآمنوا بالمالك الحقيقي. وخلال ذلك ينبّه إلى أن الشيطان هو الذي يأمر الناس بالبخل والإمساك عن الإنفاق، أو إنفاق الخبيث إذا لم يستطع الحيلولة بين الإنسان والإنفاق، وهو الذي يصوّر الإنفاق سلوكاً لسبيل الفقر. فالأمر إذن دائر بين طاعة الله وطاعة الشيطان، بين الإيمان بالله وبين الإيمان بالجبت والطاغوت. 
 
وبعد أن يفرغ من بيان الإنفاق في سبيل الله: حقيقته وضرورته وآدابه وعلاقته بالتوحيد وسائر ما يتعلق به ينتقل إلى ضدّه وهو (الربا) فالمنفق المتصدّق يعطي المال في سبيل الله لا يبتغي إلا ثوابه ورضاه والمرابي يستغل حاجة المحتاج ليزيده اجة وفقراً حينما يدفع إليه مالاً ليربو في ماله. فبيّن القرآن بشاعة هذه الصورة بذات القدر الذي بيّن فيه جمال صورة الصدقة والإنفاق في سبيل الله. وبعد أن يبلغ الغاية في تقبيح الربا والتنفير منه وبيان مضارّه في الدنيا والآخرة يُعلن الحرب على أولئك الذين سيستمرون في تعاطيه ولا يتخلّون عنه، ويختم ذلك بالتذكير بيوم الرجوع إلى الله حيث توفّى كل نفس ما كسبت بجزاء وعدل يتناول الذرّة وما دونها. 
 
لينتقل السياق بعد ذلك إلى (الدَيْن) الذي هو نظنّة التنازع بين الناس والاختلاف حوله لتزكية النفوس وتطهير المجتمع من عامل من أهمّ عوامل النزاع والاختلاف، فتقدّم الآية (آية الدَيْن) مجموعة من الضوابط والآداب المتعلقة بكتابة الدَيْن والإشهاد عليه ومنع الإضرار بالشهداء والكاتبين، ثم تختم الآية بأمر التقوى حيث إن بعض جزاء ذلك أن يتواصل تعليم الله تعالى لكم ما ينفعكم وما أنتم في حاجة إليه، فعلمه لا ينفد وهو بكل شيء عليم. وهذا الربط بين الصدقة والربا والدَيْن يقدّم أروع الصور عن الطرق المتّبعة في تداول المال وعلاقاتها بالتوحيد والإيمان بالله تعالى المالك الأوحد لكل شيء. 
 
ثم تقدّم الآية الأخرى بدائل عما تقدَّم في آية الدَيْن من وصايا في حالة السفر وهو (الرهن المقبوض) وتؤكد على سائر الأطراف أن لا يفرّط أيُّ جانب في ثقة من ائتمنه وألّا يكتم شاهد الشهادة فمن فعل فإن قلبه سوم يكون الآثم، ولعل فيه غشارة لطيفة إلى عذاب الشاهد النفسي إذا كتم الشهادة، وفوّت ذلك الكتمانُ الحقَّ على من يستحقه ومنَحَه من لا يستحقه. 
 
وفي هذا التعبير أيضاً كثير من الحِكَم البالغة إذ أن تخصيص القلب بتحمل الإثم دليل على أن تأثير المخالفة لهذه الوصايا سوف يصيب الإنسان في أخطر عضو فيه ألا وهو القلب، والإثم إذا أحاط بالقلب فذلك سوف يحجبه عن الرؤية ويحول بينه وبين أدائه لوظائفه في استقبال الهاية والقدرة على الاستبصار وما شاكل ذلك. 
 
ثم تأتي خاتمة السورة الكريمة لتؤكد على التوحيد مرة أخرى مع التحذير من محاسبة الله لعباده عما يُظهرون وعما يخفون في حنايا الضمائر، وأنه المتفرّد سبحانه بأمر المغفرة والعذاب، في إطار مزيج من الحثّ والحضّ والترغيب والترهيب. فإذا بلغت حالة الرهب والتوتر مداها تأتي خواتيم السورة لتؤكد مرة أخرى على الإيمان والتوحيد وأن المؤمن مصاحب ومرافق، حين يؤمن للرسول المؤمن صلى الله عليه وسلم الذي هو قدوة المؤمنين بالإيمان ولجميع مواكب المؤمنين منذ بدء الخليقة فهو لن يقف وحده معزولاً مهما حاصره الكافرون والمشركون، بل هو ذو نسب في المؤمنين عريق. 
 
ويُذكِّر بأركان الإيمان الذي آمن بها الرسول والمؤمنون جميعاً وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر الذي ورد ذكره في العديد من آيات السورة ومنها الآية التي سبقت هذه (آية الحساب (284)). وبعد أن دفعت آية الحساب المتقدمة درجة التوتر والخوف والترقّب إلى أعلى مدى جاءت الآية الأخيرة لتعالج ذلك فتزيل التوتر والقلق والخوف واليأس من الوصول إلى النجاة من ذلك الحساب الدقيق لتعلن: اِنتفاء التكليف بما لا يُطاق فأنتم مطالبون بالتقوى ولكن {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [سورة التغابن، الآية: 16]، وأنتم محاسبون عن كل شيء ولكن في حدود وسعكم وطاقتكم ولن يحمل أحدٌ منكم من المسؤولية إلا ما قام به. ثم تعلّمنا الاية الدعاء وسيلة إلى إنقاذنا من تبعات نسياننا وأخطائنا وسبيلاً إلى إزالة الإصر عنا الذي حُمّله بعض من سبقنا ثم التضرع إليه تعالى بألّا يُحمّلنا من الفرائض والتبعات والمسؤوليات إلا ما نطيق وأن يعفو عنا ويغفر لنا ويرحمنا لأنه ولينا ومولانا وأن ينصرنا على القوم الكافرين الذين يصدوننا عن سبيله ويحاربوننا فيه وينصرون الكفر على الإيمان. فعمود السورة ومحورها الأساس إذن هو "التوحيد" وكل ما ورد فيها كأنه وُضع بين حاصرتين: الأولى بدايتها من (1-5) التي بيّنت أهم ما يسلك الإنسان في عداد المهتدين المتقين، والثانية خاتمتها التي أكّدت أن الوصول إلى ذلك لا يكفي فيه إرادة الإنسان وحده أو عمله المجرّد فهو مظنة الخطأ والنسيان فلا بد له من الاعتماد على الله تعالى والاستعانة به والتضرّع إليه والاتكال عليه والإكثار من ذكره ودعائه.   
 
وهكذا تبدو لنا السورة بناءً ضخماً يقوم على عمود واحد أساس هو (التوحيد) ومجموعة كبيرة من الأعمدة المساعدة أو الأوتاد المساندة والمعضّدة تدور حوله، والله أعلم .
 

 


المصدر: كتاب: الوحدة البنائية للقرآن المجيد

المقالة السابقة
أهداف سورة الكهف (المفاتيح الدعوية لسورة الكهف)
المقالة التالية
الزينة في القرآن
التعليقات
هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

أضف تعليقك

المسجلين في الموقع فقط يمكنهم إضافة تعليقات. سجل الآن.